صالح لـ «الشرق» مشروع موازنة العام 2027 يفتقد الى الواقعية وصحة الأرقام

موازنة العام 2027: ما هو معلن توازن في الأرقام ولكن..

كتبت ريتا شمعون

قدّم وزير المالية ياسين جابر مشروع موازنة العام 2027 الى مجلس الوزراء مشفوعا بتقرير يحلل فيه الاعتمادات المطلوبة والفروقات الهامة بين أرقام المشروع وأرقام موازنة السنة الجارية.

يبدو مشروع الموازنة على الورق جميلاً:

الإيرادات 614,95 تريليون ليرة

النفقات 614,95 تريليون ليرة

والسؤال الذي يطرح، كيف أتت وزارة المال والحكومة بهذا التوازن، وبالأمس صرّح وزير الاقتصاد عامر بساط قائلاً: إذا استمر الوضع على حاله سنكون أمام ركود اقتصادي قد يقارب نسبة 10% بما يفوق التوقعات السابقة التي ناهزت 7%. وفي حين تتوقع وكالة ستاندرد اند بورز أن ينكمش الناتج الحقيقي اللبناني بين 8 و 9% في العام 2026، تشير الوكالة الى ان الاقتصاد اللبناني أصبح أصغر وأكثر فقراً.

هذا الوضع سيضغط بشدة على الموارد التقليدية للدولة ( مثل الضرائب والجمارك) مما يجبرها على البحث عن مصادر بديلة أو غير تقليدية لتمويل ميزانيتها في ظل الانكماش.  هنا لا بد من الإشارة الى مسؤولية الحكومة في هذا الإخفاق في الانماء الاقتصادي كما يقول الخبير المالي والاقتصادي أمين صالح. المدير العام السابق للمحاسبة العمومية في وزارة المالية الدكتور أمين صالح، وفي حديث خاص لجريدة «الشرق» يفند بنود موازنة العام 2027، ويبدأ من الحلم الجميل حيث تسعى الحكومة الى تعزيز دور لبنان في التجارة الإقليمية، وإعادة تموضعه كمحور إقليمي للعبور ضمن الممرات التجارية كمنفذ بديل ومكمل لمضيق هرمز وقناة السويس، ونحن نشارك الحكومة هذا الحلم، ولكن يسال صالح، كيف يمكن تحويل لبنان الى معبر بديل لمضيق هرمز وقناة السويس وهي لا تستطيع حل مشكلة الكهرباء المزمنة التي تجاوز عمرها الخمسين سنة، او على الأقل حل مشكلة المولدات الكهربائية إن من حيث تلويثها للبيئة أو فرض أسعارها الاحتكارية على المستهلكين؟

ويرى صالح، أن الكلفة التراكمية للحرب وتداعياتها في مشروع الموازنة تبلغ 11 مليار دولار أميركي، وهي كلفة تقديرية مبالغ بها خاصة وانها تستند الى تقديرات جهات دولية وليس الى مسح وطني.

في مشروع الموازنة وبحسب تقرير وزير المالية فإن التضخم هو نتيجة التطورات الإقليمية والدولية ولا سيما تداعيات إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، يقول صالح، دائما نعيد مشاكلنا السياسية والاقتصادية الى أسباب خارجية، وننأى بأنفسنا عن مسؤوليتنا عن هذه المشاكل، مشيرا الى ان مؤشر جمعية المستهلك قد سجل في النصف الأول من العام 2026 ارتفاعا حاداً بلغ 19.5% وهذا المؤشر يشمل 140 سلعة وخدمة أساسية لا تستغني عنها أي عائلة مضيفا : صحيح أن هناك أسعار يمكن إيجاد مبرر لارتفاعها مثل اكلاف الاستيراد والطاقة والشحن، ولكن هل قامت الحكومة بواجباتها في التحقق من أن أسعار المبيع لا تتضمن أرباحا فاحشا؟ مسجلا فشلاً للحكومة في مكافحة التضخم والدليل أسعار الطاقة للمولدات الكهربائية المنتشرة  في لبنان خلافا للقانون. وتابع صالح، ان مشروع الموازنة أغفل ذكر أسباب تراجع الاستهلاك وهي محلية بالتأكيد وأهمها: اعتماد لبنان على الاستيراد وضعف الصناعة والزراعة وتراجع المداخيل والرواتب والأجور والزيادات المفرطة في الضرائب غير المباشرة أي الضرائب على الاستهلاك، وانخفاض حصيلة الضرائب المباشرة على أصحاب الدخول المرتفعة، وقد شهد لبنان في الفترة الأخيرة فرض ما سمي رسوما على البيئة بنسبة 2% وعلى الكيميائيات والاسمنت مما شكّل عبئا إضافيا على مدخلات الإنتاج وصولا الى المستهلك، و3% على السيارات والساعات، من شان هذه الرسوم الضغط على القدرة الشرائية للمواطنين وبالتالي خفض الطلب على الاستهلاك. ويرى، أن مشروع الموازنة يفتقد الى الواقعية وصحة الأرقام إذ ان معدل الانكماش هو في حدود 6 الى 7% في حين يتوقع زيادة في الواردات تتراوح بين 6  و27% وهذا يعني عمليا فرض زيادة في الضرائب على الاستهلاك، وبالتالي زيادة الضغط الضريبي على مداخيل المواطنين وخاصة المستهلكين من أصحاب الدخل الفقير والمتوسط وفق صالح، مما يؤدي الى خفض القدرة الشرائية للمداخيل وانخفاض الاستهلاك وهذا يؤثر على انكماش إضافي في الاقتصاد.

وأضاف صالح، بعد ثماني سنوات من الانهيار الاقتصادي، يتوجب على الحكومة زيادة الانفاق الاستثماري الحكومي لتشجيع الاستهلاك وزيادة الطلب وخلق فرص عمل جديدة، إذ لا يجوز أبداً ان لا يتجاوز الانفاق الاستثماري المقدر في موازنة العام 2027  ال11% في حين يعاني لبنان من أزمات حادة في الخدمات الأساسية في الكهرباء، المياه، المواصلات، التعليم، الصحة والسكن.

وأوضح صالح، ان إحتياطات مصرف لبنان من الذهب والعملات الأجنبية لا يعود سببها الى القيد المالي كما جاء في التقرير  بل الى ارتفاع أسعار الذهب عالميا، وهنا لا بد من السؤال أين ذهبت وتذهب أرباح الذهب وفروقات القطع والتي بلغت مليارات الدولارات، ولماذا لا تستعمل للإنفاق الاستثماري وردّ الودائع؟

تحدث تقرير وزير المالية عن تسديد المستحقات المتاخرة  لمؤسسة كهرباء لبنان والضمان الاجتماعي، وهذا يعني ان الموازنات السابقة كانت مخالفة لمبدا الشمول، إذ انها لم تكن تشمل جميع النفقات المستحقة على الدولة.

اما بالنسبة الى مؤسسة كهرباء لبنان يسأل صالح، الى متى تبقى أزمة الكهرباء؟ وكيف ستحل أزمة سلفات الخزينة المسلفة الى المؤسسة منذ العام 1982 ولغاية تاريخه؟

ويرى صالح، ان موازنة العام 2027 ليست موازنة حماية اجتماعية بل هي إفقار وتهميش والدليل على ذلك بان الانفاق على حماية البيئة والإسكان والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية  ( ومن ضمنها معاشات التقاعد وتعويضات نهاية الخدمة) بلغت في موازنة 2027 مبلغ 346 ألف مليار ل.ل مقابل 256 ألف مليار ل.ل بزيادة قدرها 90 ألف مليار ل.ل في حين ان الزيادة في الضرائب والرسوم بلغت عام 2027 عن عام 2026 حوالى 77 ألف مليار فيكون صافي الزيادة في الحماية الاجتماعية 13 ألف مليار ل.ل ونسبتها 2.11 % فقط.

علما بان معظم هذه الزيادة تعود الى زيادة معاشات التقاعد للمدنيين والعسكريين والمقدرة بحوالي 20 ألف وهو موضوع احتجاج واعتصامات في الشارع.

وختم صالح، أن موازنة العام 2027 لا تشكل تهيئة للانتقال من الأزمة الى التعافي بل استمرار لرقص السلطة في حلقة الأزمة المفرغة فلا أبواب مفتوحة بل أقفال صدئة للإنماء والبناء والإعمار.