صرخة محمد شقير: إنذار قبل الانهيار الكبير

بقلم دافيد عيسى

سياسي لبناني

كثيرًا ما تستند مواقف أهل الاقتصاد والأعمال إلى أرقام ومؤشرات ووقائع تستحق الإصغاء والتأمّل، بعيدًا عن ضجيج السياسة وتجاذباتها.

من هذا المنطلق، لفتتني المواقف التي أطلقها رئيس الهيئات الاقتصادية، الوزير السابق محمد شقير، خلال استضافته في برنامج «صار الوقت» مع الإعلامي القدير مارسيل غانم، ولا سيّما تحذيره من أنّ المرحلة الراهنة تمثّل «الإنذار الأخير قبل الانهيار الكبير للاقتصاد اللبناني».

إنّه تحذير بالغ الخطورة، لا يجوز المرور عليه مرور الكرام، خصوصًا أنّه يصدر عن شخصية تواكب يوميًا واقع المؤسسات والشركات والمصانع، وتعاين عن كثب حجم التحديات والضغوط المتزايدة التي يواجهها القطاع الخاص، وما تفرضه من تهديدات مباشرة على قدرته على الصمود والاستمرار.

وحين يتحدث شقير عن ارتفاع فاتورة المازوت بنسبة 100 في المئة، وعن دفع نحو مليار دولار منذ بداية الحرب الأخيرة نتيجة فارق أسعار المحروقات، فإنّه يسلّط الضوء على أعباء تشغيلية متزايدة تثقل كاهل المؤسسات، وتنعكس على الإنتاج والنقل والتوزيع والأسعار، وتحدّ من قدرتها على تحمّل الخسائر ومواصلة نشاطها.

وفي هذا السياق، تكتسب عبارته «لن يبقى لا عامل ولا دولة» دلالتها من الترابط الوثيق بين القطاع الخاص وسوق العمل والمالية العامة.

فالمؤسسات ليست مجرّد شركات تسعى إلى تحقيق الأرباح، بل هي مصدر رزق لآلاف اللبنانيين، ورافعة أساسية للإنتاج والاستثمار والإيرادات العامة.

وأي تراجع واسع في نشاطها أو إقفال لأبوابها ستكون له انعكاسات مباشرة على العمال وعائلاتهم، وعلى الدورة الاقتصادية برمّتها.

ولعلّ ما كشفه شقير عن بدء انتقال عدد من المصانع من لبنان إلى سوريا يعكس جانبًا من خطورة المرحلة الراهنة، ويطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة لبنان على الاحتفاظ بمؤسساته واستثماراته وفرص العمل فيه.

إذا كانت سوريا قادرة على توفير بيئة استثمارية أكثر جاذبية لبعض الصناعات، فما الذي يمنع لبنان من اتخاذ خطوات تعزّز قدرته التنافسية وتشجّع المستثمرين على البقاء، من خلال منحهم التسهيلات اللازمة وتخفيف التعقيدات البيروقراطية التي تعيق أعمالهم؟ أليس من الضروري اعتماد سياسات اقتصادية أكثر مرونة وفاعلية تحمي الاقتصاد الوطني من خسارة المزيد من المصانع والاستثمارات، وتحدّ من انتقالها إلى الخارج؟

فانتقال المصانع لا يعني خسارة رؤوس الأموال والاستثمارات فحسب، بل يهدّد أيضًا فرص العمل ومصادر رزق آلاف العائلات اللبنانية.

وفي المقابل، تشكّل الاستثمارات الجديدة رافعة أساسية لخلق فرص عمل مستدامة، وتعزيز صمود الشباب اللبناني، ومنحهم الأمل بمستقبل كريم في وطنهم، بدلًا من دفعهم إلى الهجرة بحثًا عن فرص أفضل.

إنّ هجرة الشباب لا تحرم لبنان من طاقاته وكفاءاته فحسب، بل تُضعف قدرته على النهوض، وتترك أثرًا عميقًا في العائلات التي تفقد وجود من هنا، تبرز الحاجة إلى تهيئة الظروف الملائمة للحفاظ على المؤسسات والاستثمارات القائمة، بالتوازي مع استقطاب استثمارات جديدة تسهم في تحفيز الاقتصاد اللبناني وتنشيطه.

ولا تقتصر مؤشرات الأزمة على القطاع الصناعي، بل تمتد إلى المطاعم والفنادق التي تواجه ضغوطًا متزايدة تهدّد استمرارية عدد منها.

فقد أشار شقير إلى أنّ فاتورة الكهرباء في بعض المطاعم التي تتّسع لنحو 60 إلى 70 شخصًا تصل إلى 9 آلاف دولار شهريًا، فيما تتراوح الإيجارات بين ألفين و3 آلاف دولار، وذلك في ظل تراجع القدرة الشرائية والحركة السياحية، وارتفاع سائر الأكلاف التشغيلية.

ولا تقف تداعيات هذه الضغوط عند أصحاب المطاعم والفنادق، بل تمتد إلى قطاعات الزراعة والصناعات الغذائية والنقل والتوزيع، فضلًا عن سوق العمل. ووفقًا للأرقام الواردة في هذا السياق، يعمل في قطاع الفنادق والمطاعم في لبنان نحو 50 ألف طالب وطالبة، إلى جانب الموظفين والعاملين الأساسيين، ليُقدَّر إجمالي العاملين فيه بنحو 70 ألفًا إلى 100 ألف شخص، مع تفاوت الأعداد نتيجة الأزمات الاقتصادية والأمنية المتلاحقة.

ويعني استمرار تراجع هذا القطاع تهديد مصادر رزق آلاف العائلات، فضلًا عن انعكاساته على شبكة واسعة من الأنشطة الاقتصادية والخدمات المرتبطة به. لذلك، فإنّ حماية استمراريته تتجاوز المصالح الفردية لأصحاب المؤسسات، لتصبح مسألة تمسّ المصلحة الاقتصادية والاجتماعية العامة.

وفي مواجهة هذا الواقع، لم يكتفِ شقير بتوصيف المخاطر، بل طرح مطالب عملية، أبرزها إقرار تسوية ضريبية، وإتاحة تقسيط مستحقات الضمان الاجتماعي المتعلقة بنهاية الخدمة، بما يخفّف الأعباء عن المؤسسات ويساعدها على مواصلة العمل في ظروف استثنائية.

وهنا تكمن المسألة الأساسية: فالمطلوب ليس بالضرورة تقديم مساعدات مباشرة إلى المؤسسات، بل اعتماد إجراءات مالية وتنظيمية تمنحها هامشًا أوسع للصمود، وتحافظ على استمراريتها وفرص العمل المرتبطة بها. وكل تأخير في اتخاذ القرارات المناسبة يزيد الضغوط على المؤسسات ويضيّق فرص المعالجة، ولا سيّما في ظل الغموض المحيط بمدة الحرب وتداعياتها.

وفي هذا السياق، تختصر عبارة شقير «الوقت حقّه مصاري» ضرورة الإسراع في التحرّك؛ فالوقت في الأزمات الاقتصادية ليس تفصيلًا ثانويًا، بل عامل حاسم في تحديد حجم الخسائر وإمكان احتوائها.

إنّ المسؤولية اليوم لا تقع على جهة واحدة. فالدولة مطالبة بالتحرّك ضمن إمكاناتها، وإعطاء الأولوية للإجراءات التي تساعد المؤسسات على الاستمرار وتحافظ على فرص العمل، فيما يحتاج القطاع الخاص إلى بيئة أكثر استقرارًا وقدرة على استيعاب الصدمات. كما أنّ المرحلة الراهنة تستدعي من جميع المعنيين الابتعاد عن السجالات العقيمة، وتقديم المصلحة الاقتصادية والاجتماعية على الحسابات الضيقة.

لكن كيف يمكن حماية المؤسسات من تداعيات ارتفاع الأكلاف التشغيلية؟ وكيف يمكن الحدّ من انتقال المصانع والاستثمارات إلى الخارج؟ والأهم، كيف يمكن الحفاظ على فرص العمل في ظل أزمة لا تزال مدّتها وحجم تداعياتها غير واضحين؟

إنّ هذه الأسئلة لا تخصّ الهيئات الاقتصادية وحدها، بل تمسّ مستقبل الاقتصاد اللبناني بأكمله، وتستدعي تحرّكًا يتجاوز المعالجات الجزئية وردود الفعل الآنية.

من هنا، تبرز ضرورة تحرّك حكومي عاجل من خلال تشكيل خلية عمل اقتصادية طارئة، تضمّ شقير إلى جانب نخبة من أصحاب الاختصاص والخبرة وممثلي أرباب العمل، تتولى بلورة حلول عملية قابلة للتنفيذ، تهدف إلى حماية المؤسسات، وصون فرص العمل، والحدّ من النزيف الاقتصادي المتفاقم.

لقد دقّ محمد شقير، بصفته رئيس الهيئات الاقتصادية اللبنانية، ناقوس الخطر، محذّرًا من مخاطر استمرار الوضع الراهن. ويبقى السؤال: هل تبادر الحكومة إلى التحرّك قبل فوات الأوان، فتتدارك المخاطر وتحدّ من تداعيات أزمة جديدة قد تثقل كاهل بلد لم يعد يحتمل مزيدًا من الأعباء؟

دافيد عيسى