فياض في “قمّة تركيا”: أمن الطاقة يتطلّب وحدة إقليمية وإصلاحاً جريئاً وبيرقدار يعلن اهتمام أنقرة بالتنقيب في المياه اللبنانية وبتجارة الكهرباء

شارك وزير الطاقة والمياه السابق الدكتور وليد فياض متحدّثاً في الجلسة الافتتاحية لـ”قمّة تركيا للطاقة” (Türkiye Energy Summit) في دورتها السادسة عشرة، التي انعقدت في إسطنبول هذا الأسبوع تحت عنوان “أمن الطاقة وفرص الاستثمار في المنطقة الأوروبية – المتوسّطية”. وشارك فيها وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار، وحضرها مسؤولون حكوميون وممثّلون عن هيئات ناظمة وشركات طاقة ومؤسّسات مالية دولية.
وبحثت القمّة، وهي من أبرز الملتقيات السنوية لقطاع الطاقة في تركيا، انعكاسات التطوّرات الجيوسياسية على أمن الإمدادات، وأسواق النفط العالمية، ودور الغاز الطبيعي في التحوّل الطاقوي، وفرص الاستثمار الجديدة. وتضمّن برنامجها الدولي جلسة خاصّة لرابطة الهيئات الناظمة للطاقة في المتوسّط (MEDREG) شاركت فيها هيئات من اثنتي عشرة دولة ومنطقة. وعرض ممثّلو المفوضية الأوروبية الاستراتيجيات المتوسّطية في إطار مبادرة «T-MED»، بمشاركة البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية والبنك الدولي ورابطة مشغّلي أنظمة نقل الكهرباء في المتوسّط (Med-TSO).
وفي كلمته التي حملت عنوان “نحو مستقبل طاقوي مرن: وحدة إقليمية وإصلاح جريء ومصير مشترك”، شكر فياض رئيس القمّة مصطفى أكينجي على هذه المبادرة، منوّهاً بدور تركيا جسراً حيوياً بين القارّات والأسواق. وأكّد أنّ العالم يمرّ بمرحلة حرجة تتّسم بتصاعد التقلّبات الجيوسياسية وتفكّك سلاسل الإمداد وارتفاع كلفة المشتقّات النفطية والكهرباء. واعتبر أنّ أمن الطاقة يتطلّب وحدة إقليمية، إذ لا تستطيع أيّ دولة تحقيقه منفردة، منتجةً كانت أم دولة عبور أم مستهلكة، ما دامت دول المنطقة تتشارك الجغرافيا والمصير، داعياً إلى مقاربته بوصفه مسعى مشتركاً لا معادلة صفرية.
وأورد فياض أمثلة من المشرق على جدوى هذا التعاون. فذكّر بأنّ ترتيبات توريد الفيول الطويلة الأمد التي أبرمها لبنان مع العراق بشروط ميسّرة شكّلت شريان حياة للبلاد في أشدّ ظروفها صعوبة. وذكّر كذلك بأنّ تعاون سوريا مع تركيا وأذربيجان، ولا سيّما توريد 6 ملايين متر مكعّب يومياً من الغاز عبر الأنابيب، أتاح رفعاً فورياً وملموساً لقدرة التوليد الكهربائي فيها. ورأى أنّ شراكات عابرة للحدود وشبكات طاقة مترابطة تضمّ تركيا وسوريا ولبنان، وأخرى أوسع تشمل قطر، يمكن أن تشكّل محرّكاً فاعلاً لتثبيت استقرار الشبكة الكهربائية اللبنانية وتعزيز الأمن الاقتصادي الإقليمي على المدى الطويل.
وشدّد على أنّ التضامن الإقليمي يشكّل الأساس، فيما يبقى الإصلاح الداخلي محرّك أمن الطاقة البنيوي، متوقّفاً عند قرار لبنان إنهاء تجميد التعرفة الكهربائية الذي دام أربعة عقود والانتقال إلى تعرفة تعكس الكلفة الفعلية. ولفت إلى أنّ هذا الإصلاح مكّن مؤسّسة كهرباء لبنان من التقدّم نحو الاكتفاء المالي ووقف استنزاف المال العام. وأضاف أنّه أسهم، من خلال ترشيد الاستهلاك، في خفض الطلب الوطني على الطاقة بنسبة 40 في المئة، وفي تقليص فاتورة استيراد الفيول بنحو 3 مليارات دولار سنوياً، أي ما يعادل 10 إلى 15 في المئة من الناتج المحلّي، كما هيّأ بيئة سوقية رشيدة قادرة على استقطاب رؤوس الأموال الخاصّة إلى مشاريع الإنتاج الحديثة. وأشار إلى أنّ لبنان رفع كذلك الدعم عن المحروقات، وهو إصلاح لا يقلّ أهمية، أسهم إلى جانب التعرفة العاكسة للكلفة في تعزيز القدرة التنافسية للطاقة النظيفة. فارتفعت مساهمة الطاقة الشمسية، عبر الأنظمة الموزّعة والمحطّات الكبرى، إلى نحو 20 في المئة من الاستهلاك الوطني في غضون عامين. وتابع أنّ العمل شمل أطر الحوكمة، ولا سيّما المضيّ في مسار إنشاء الهيئة الناظمة المستقلّة لقطاع الكهرباء بدعم تقني من رابطة MEDREG، مؤكّداً أنّ وضوح الإطار التنظيمي وإشارات الأسعار الديناميكية شرطان متلازمان لاستقطاب الاستثمار الطويل الأمد في البنى التحتية. وختم بأنّ خلاصة تجربة المشرق واضحة، فالإصلاح البنيوي يصنع الاستقرار الداخلي، والتكامل الإقليمي يوسّع هذا الاستقرار عبر الحدود. واعتبر أنّ تركيا تقف في قلب هذا التحوّل، لا بوصفها مركزاً لعبور الطاقة بين الشرق والغرب فحسب، بل قوّةً دافعة لتكامل الأسواق وتطوير البنى التحتية في المنطقة.
بيرقدار
من جهته، أكّد الوزير بيرقدار في جلسة خاصّة ضمن أعمال القمّة، أنّ تحوّل تركيا إلى مركز لتجارة الطاقة يستلزم سوقاً داخلية قوية تقوم على المنافسة الحرّة بين مصادر الغاز، وبنية تحتية متينة. ولفت إلى أنّ بلاده، التي تستهلك ما بين 55 و60 مليار متر مكعّب من الغاز سنوياً، باتت تستورده من 13 دولة، وأنّ دولاً أوروبية عرضت شراء الغاز التركي، ما يؤهّل تركيا لتكون مساراً بديلاً لإمدادات أوروبا. وحذّر من أنّ منشآت الطاقة وبناها التحتية تحوّلت إلى أهداف رئيسية في حروب السنوات الأخيرة، مؤكّداً عزم أنقرة على انتهاج دبلوماسية طاقة أكثر نشاطاً وكثافة.
وفي ما يخصّ لبنان، نوّه بجهود لبنان في قطاع الطاقة وبعلاقات التعاون التي تجمعه بتركيا في هذا المجال، وبالجهود التي بذلها الوزير فياض خلال تولّيه الوزارة. وأعلن اهتمام بلاده بالتنقيب عن النفط والغاز في المناطق البحرية اللبنانية، وكذلك قبالة السواحل السورية، بواسطة أسطولها الخاص، مؤكّداً أنّ «تركيا أصبحت دولة قادرة على التنقيب عن الغاز الطبيعي والنفط بسفنها الخاصّة». وكشف أنّ أنقرة تدرس فرص التعاون الثنائي مع لبنان في تجارة الكهرباء، ومنها إمكان تزويده بالطاقة الكهربائية بالتعاون مع سوريا.
وفي الشأن الداخلي التركي، أعلن أنّ محطة «أكويو» النووية دخلت مرحلة الاختبارات المكثّفة تمهيداً لتحميل الوقود النووي الأوّل خلال الأسابيع المقبلة، على أن تبدأ ضخّ الكهرباء في الشبكة اعتباراً من عام 2027.