قمّة البيت الأبيض التاريخية: من الوساطة إلى اختبار الضمانات

بقلم د. ابراهيم العرب

تكتسب القمة التي جمعت الرئيس اللبناني العماد جوزيف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب في البيت الأبيض، في الحادي والعشرين من تموز، أهمية استثنائية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية بين بيروت وواشنطن، لتلامس مستقبل الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان، ومستوى الالتزام الدولي بتثبيت اتفاق وقف إطلاق النار، فضلاً عن اختبار مدى استعداد الولايات المتحدة للانتقال من دور الوسيط السياسي إلى موقع الضامن التنفيذي القادر على فرض الالتزامات على مختلف الأطراف.

ولا تنبع أهمية هذه القمة من رمزية اللقاء بين رئيسي البلدين فحسب، بل أيضاً من توقيتها، في مرحلة إقليمية شديدة الحساسية تتقاطع فيها التحوّلات السياسية مع الاعتبارات الأمنية، فيما يبقى لبنان إحدى أكثر الساحات تأثراً بالتوازنات الإقليمية وبالصراع الدائر في الشرق الأوسط. كما اكتسبت الزيارة بعداً سياسياً إضافياً، لكونها أول زيارة لرئيس لبناني إلى البيت الأبيض منذ عام 2009، وهو ما منحها دلالة تتجاوز البروتوكول إلى إعادة فتح قنوات التواصل المباشر بين بيروت وواشنطن على أعلى المستويات.

ومنذ الأسابيع التي سبقت القمة، بدا واضحاً أن الرئيس جوزيف عون لم يتوجه إلى واشنطن حاملاً مطالب عامة أو رسائل سياسية فضفاضة، بل حمل جدول أعمال محدداً يقوم على تحويل الاتفاق الإطاري الثلاثي بين لبنان والولايات المتحدة وإسرائيل من إطار سياسي إلى مسار تنفيذي واضح المعالم، يستند إلى جدول زمني وآليات مراقبة وضمانات أمريكية تحول دون تعطيل التنفيذ أو إعادة تفسير بنوده بما يخدم الحسابات الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، تصدّر مطلب الانسحاب الإسرائيلي السريع من المواقع التي لا تزال تحتلها إسرائيل في جنوب لبنان أولويات المباحثات، بالتوازي مع استكمال انتشار الجيش اللبناني في تلك المناطق بإشراف عسكري أمريكي، بما يضمن انتقال المسؤولية الأمنية بصورة تدريجية ومنظمة، ويمنع نشوء أي فراغ قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التوترات العسكرية.

كما سعى الرئيس اللبناني إلى الحصول على ضمانات أميركية واضحة تمنع أي عمليات عسكرية إسرائيلية أو غارات جوية تستهدف المناطق التي سينتشر فيها الجيش اللبناني عقب الانسحاب، انطلاقاً من أن نجاح أي خطة أمنية يفترض توفير بيئة مستقرة تسمح للمؤسسة العسكرية بأداء مهامها دون تهديدات ميدانية متواصلة.

ومن هنا، ارتبط الملف الأمني مباشرة بملف دعم الجيش اللبناني، إذ طلب الرئيس عون توسيع برامج المساعدة العسكرية واللوجستية والتقنية بصورة عاجلة، بعدما سبق أن قدمت بيروت إلى واشنطن ورقة تفصيلية باحتياجات المؤسسة العسكرية من الآليات والمعدات والتجهيزات اللازمة لتنفيذ المهام المطلوبة، إلا أن جزءاً كبيراً من تلك الاحتياجات لم تتم تلبيته خلال المرحلة الماضية.

ولا يقتصر هذا الدعم على تعزيز القدرات الدفاعية للمؤسسة العسكرية، بل يرتبط أيضاً بتمكين الجيش من تنفيذ المهام المنوطة به ضمن الاتفاق، وفي مقدمتها الانتشار في المناطق الحدودية، وحصر السلاح بيد الدولة، ومعالجة ملف سلاح حزب الله وفق الآليات التي تعتمدها الدولة اللبنانية، بما يحفظ الاستقرار الداخلي ويمنع أي فراغ أمني قد تستغله أطراف أخرى.

وفي المقابل، حملت واشنطن إلى القمة مؤشرات دعم سياسية وعملية، تمثلت في الإعلان عن إطلاق المرحلة الأولى من “المناطق التجريبية” في جنوب لبنان، والتي تشمل بلدات فرون وصريفا وزوطر الغربية، باعتبارها نموذجاً أولياً لتطبيق الاتفاق الإطاري الثلاثي، بما يسمح باختبار آليات الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني تحت إشراف أميركي ومراقبة دولية.

وتعكس هذه الخطوة رغبة أميركية في الانتقال من مرحلة التفاهمات السياسية إلى اختبار التنفيذ الميداني، إلا أن نجاحها سيظل رهناً بمدى التزام إسرائيل بالانسحاب وفق الجدول الزمني المتفق عليه، وعدم تحويل كل مرحلة تنفيذية إلى مناسبة لطرح شروط جديدة أو تأجيل الخطوات اللاحقة.

وفي هذا الإطار، أصبح واضحاً أن الرؤية اللبنانية تقوم على مبدأ جوهري مفاده أن استعادة الدولة سلطتها الكاملة على الجنوب لا يمكن أن تتم عبر مقاربة أحادية تفرض على لبنان تنفيذ التزاماته بينما يبقى الانسحاب الإسرائيلي رهناً بالاعتبارات السياسية الداخلية في تل أبيب.

ولهذا، يرى المراقبون الدوليون أن المقاربة الأقرب إلى الواقع تقوم على تقديم تنازلات مجانية أو خطوات أحادية الجانب، بل تمسك بمبدأ التنفيذ المتزامن والمتدرج، بحيث تقابل كل خطوة إسرائيلية ملموسة، تتمثل بالانسحاب من منطقة محددة، خطوة لبنانية مقابلة، تشمل انتشار الجيش وجمع السلاح الثقيل وتفكيك البنى العسكرية الأكثر خطورة وفق آلية واضحة تخضع للرقابة والمتابعة.

وتستند هذه المقاربة إلى قناعة بأن بيروت لا تمتلك ترف البدء بعملية نزع السلاح دون مقابل سياسي وأمني واضح، كما أنها في الوقت نفسه لا تستطيع القبول باستمرار الاحتلال الإسرائيلي إلى أجل غير مسمى بانتظار استكمال ترتيبات داخلية قد تستغرق سنوات.

ومن هنا، فإن جوهر المقاربة لم يكن رفضاً لتنفيذ الالتزامات، وإنما رفضاً لتحويل الورقة الأميركية إلى أداة ضغط أحادية على لبنان، بحيث يصبح تنفيذ الخطوات اللبنانية شرطاً مسبقاً لأي انسحاب إسرائيلي، بينما تبقى تل أبيب قادرة على تعليق التنفيذ كلما تبدلت حساباتها السياسية أو الأمنية.

ولهذا، سعى الرئيس اللبناني إلى انتزاع تعهد أميركي صريح بأن تكون الولايات المتحدة ضامناً لعملية التنفيذ، لا مجرد وسيط يدير المفاوضات، وذلك عبر إلزام إسرائيل بعدم توسيع شروطها بعد كل مرحلة تنفيذية، ومنع تحويل الاتفاق إلى عملية تفاوض مفتوحة بلا سقف زمني.

وتزداد أهمية هذه الضمانات في ظل المخاوف اللبنانية من أن تلجأ حكومة بنيامين نتنياهو إلى استخدام الملف اللبناني ضمن حساباتها السياسية والانتخابية الداخلية، بما قد يؤدي إلى إبطاء الانسحاب أو إعادة ربطه بشروط إضافية تتجاوز ما ورد في الاتفاق الإطاري.

ومن الناحية السياسية، فإن أخطر ما يمكن أن يواجه أي اتفاق من هذا النوع لا يكمن في تعثر بدايته، وإنما في إضافة شروط جديدة بعد كل خطوة يتم تنفيذها، الأمر الذي يحوّل عملية التنفيذ إلى مسار استنزاف سياسي متواصل، يفقد الاتفاق جوهره ويحول الضمانات إلى مجرد وعود غير ملزمة.

ولهذا، فإن نجاح أي آلية تنفيذية يقتضي وجود أدوات متابعة ومساءلة، بما في ذلك فرض كلفة سياسية أو دبلوماسية على أي طرف يوقف التنفيذ دون مبررات موضوعية، لأن غياب مثل هذه الآليات يعني عملياً بقاء الولايات المتحدة في موقع الوسيط، لا الضامن، وهو ما يقلّل من فرص استدامة الاتفاق.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل التحديات الداخلية التي ما تزال تعترض تنفيذ الاتفاق. فحزب الله يرفض التعامل مع مسألة سلاحه بوصفها بنداً تفاوضياً مع إسرائيل، ويرى أنها ترتبط بعقيدته العسكرية والسياسية وبالبيئة الإقليمية الأوسع، فيما تتمسك إسرائيل بربط انسحابها الكامل بإنهاء هذا الملف، وهو ما يجعل التنفيذ التدريجي والمتزامن الخيار الأكثر واقعية لتجنب الانهيار المبكر للتفاهمات.

وعليه، فإن استقرار الجنوب اللبناني لم يعد مسألة محليّة فحسب، بل أصبح جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي، في ظل الترابط بين الساحات اللبنانية والسورية والفلسطينية، وبين مسارات التهدئة والتصعيد في المنطقة. ولذلك، فإن أي نجاح في تثبيت الاتفاق قد ينعكس إيجاباً على البيئة الإقليمية برمتها، في حين أن فشله سيعيد فتح جبهة الجنوب أمام احتمالات مواجهة يصعب احتواء تداعياتها.

في المحصلة، لم تكن قمة البيت الأبيض مجرد محطة بروتوكولية أو لقاء سياسي عابر، بل شكّلت اختباراً حقيقياً وتاريخياً لقدرة الولايات المتحدة على تحويل نفوذها السياسي إلى التزام تنفيذي ملزم، واختباراً موازياً لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة سلطتها الكاملة عبر مؤسساتها الشرعية، وفي مقدمتها الجيش اللبناني. وقد سعى الرئيس جوزيف عون إلى تثبيت معادلة تقوم على ثلاثة مرتكزات متلازمة: لا انسحاب إسرائيلي مؤجلاً إلى أجل غير معلوم، ولا خطوات لبنانية أحادية بلا ضمانات، ولا استقرار مستدام من دون سيادة كاملة للدولة.

ومن ثم، فإن نجاح هذه القمة لن يُقاس بحجم البيانات الصادرة عنها، بل بمدى ترجمة التفاهمات إلى وقائع ميدانية تبدأ بانسحاب إسرائيلي وفق جدول زمني واضح، يتزامن مع انتشار الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، وصولاً إلى حصر السلاح بيد الدولة ضمن إطار وطني وتحت مظلة الشرعية. أما إذا بقيت الضمانات الأميركية في حدود النوايا السياسية، واستمرت إسرائيل في ربط كل مرحلة تنفيذية بشروط جديدة، فإن الاتفاق الإطاري سيظل هشاً، وستبقى عملية استعادة السيادة اللبنانية عرضة للاستنزاف، بما يهدد بإعادة إنتاج دورة عدم الاستقرار في الجنوب ويؤجل قيام معادلة أمنية أكثر رسوخاً في لبنان والمنطقة.

د. ابراهيم العرب