إلى الأستاذ نقولا ناصيف، مؤلف كتاب غازي كنعان: صانع دولة الدمى»
وإلى الدكتور فادي الأحمر، معد ومقدم الحوار
وإلى السادة في هيئة تحرير منصة «أساس ميديا»
تحية طيبة وبعد
تابعت باهتمام الحلقتين اللتين تناولتا كتاب الأستاذ نقولا ناصيف عن اللواء الراحل غازي كنعان، وما تضمنتاه من روايات واتهامات تناولت شخصيته ودوره في لبنان بين عامي 1983 و2002.
وأكتب إليكم اليوم بصفتي نجل غازي كنعان، ولكن ليس من منطلق القرابة وحدها، ولا بدافع الدفاع العاطفي عن غازي كنعان، بل انطلاقاً من معرفتي الشخصية به، ومعايشتي جانباً من تلك المرحلة وحرصي على أن يكتب التاريخ بأمانة، وأن تستند الاتهامات إلى أدلة قابلة للتحقق.
فأنا لا أزعم أن صلة الدم تمنحني احتكار الحقيقة، كما لا أقبل أن تمنح الصفة الصحافية أي كاتب حصانة من واجب الإثبات.
ولست هنا بصدد المطالبة بتحصين غازي كنعان من النقد أو منع البحث في مرحلة الوجود السوري في لبنان، بما لها وما عليها. لكنني أرفض أن تتحول الروايات المنقولة والاتهامات الشخصية، ولا سيما المتعلقة بالابتزاز المالي والفساد، إلى حقائق تاريخية لمجرد أنها وردت في كتاب أو قدمت عبر شاشة إعلامية.
وقبل الدخول في تفاصيل ما ورد في المقابلتين، أجد من الضروري توضيح أمر ظل غائباً عن الرأي العام طوال سنوات.
أولاً: لماذا التزمنا الصمت طوال هذه السنوات؟
منذ وفاة غازي كنعان في الثاني عشر من تشرين الأول عام 2005، آثرنا، نحن أفراد أسرته، عدم الدخول في سجالات إعلامية أو الرد على كثير مما نشر وقيل عنه.
ولم يكن صمتنا يوماً إقراراً بصحة تلك الروايات، ولا عجزاً عن الرد عليها.
لقد كان صمتاً فرضته علينا ظروف سياسية وأمنية بالغة الخطورة، وخوف حقيقي على سلامة أفراد أسرتنا.
ولسنوات طويلة، كنا ندرك طبيعة السلطة التي كانت تحكم سوريا، وما يمكن أن يترتب على أي مواجهة علنية معها من عواقب قد تطال أفراد الأسرة.
ومن الآن فصاعداً، لن نقبل أن تمر أي إساءة أو اتهام غير مسند إلى أدلة بحق غازي كنعان من دون رد مناسب، ولن نتردد في اللجوء إلى القضاء وإقامة الدعاوى التي يجيزها القانون لحماية سمعته والمطالبة بتصحيح الوقائع المسيئة إليه.
ونؤكد في الوقت نفسه احترامنا الكامل لحرية الصحافة وحق المؤرخين في البحث والنقد.
فاللجوء إلى القضاء سيكون في إطار القانون، لا وسيلة لإسكات النقد المشروع أو منع البحث في التاريخ.
لقد صمتنا طويلا حماية للأحياء، لكن الصمت لن يكون بعد اليوم سبباً في تشويه ذكرى الراحلين.
ثانياً: وزير الداخلية الذي احتاج إلى إذن من وزير الداخلية
استوقفني ما ذكره الأستاذ ناصيف عن أن غازي كنعان، عندما كان وزيراً للداخلية السورية، احتاج إلى إذن من وزارة الداخلية قبل الإدلاء بتصريحه الإذاعي الأخير في الثاني عشر من تشرين الأول عام 2005
وهنا لا بد من سؤال بديهي: كيف يحتاج وزير الداخلية إلى إذن من الوزارة التي يرأسها ؟ وهل كان عليه أن يتقدم بطلب إلى نفسه، ثم ينتظر الموافقة ؟
والمفارقة أن غازي كنعان أدلى بالفعل بتصريحه لإذاعة صوت لبنان».
ولعل ما يستدعي التوضيح ليس كيف حصل وزير الداخلية على إذن بالكلام، بل كيف تحولت هذه الرواية إلى دليل على تراجع نفوذه، من دون أن نعرف أصلا من الذي كان يفترض أن يمنحه الإذن أو يمنعه عنه.
فالتاريخ لا يحتاج إلى مفارقات إضافية فيه من التعقيدات ما يكفي، وأولى بنا أن نفسر ما حدث قبل أن نبني عليه الاستنتاجات.
ثالثاً : حقيقة الغرفة الخلفية في منزل غازي كنعان
من أكثر الروايات التي أثارت استغرابي في حديث الأستاذ نقولا ناصيف وصفه للمدخل الخلفي في منزل غازي كنعان، وما زعمه عن استخدام الغرفة الموجودة هناك لاستقبال الأموال والهدايا والسيارات الفاخرة من بعض السياسيين اللبنانيين
وقدم الكاتب هذه الرواية بتفاصيل توحي بأنه يعرف المكان وما كان يجري فيه معرفة دقيقة.
لكن ما لم يذكره الأستاذ ناصيف، وربما لم يكن يعلمه أصلا، أن ذلك الجزء الخلفي من المنزل كان مقر إقامة أخي الدكتور يعرب وعائلته الذين كانوا يقيمون مع غازي كنعان خلال فترة وجوده في لبنان.
وهذه ليست رواية منقولة عن مصدر مجهول، بل معلومة عائلية أعرفها بصورة مباشرة.
وأتساءل: هل زار الأستاذ ناصيف ذلك المكان؟ وهل تحدث إلى من كانوا يقيمون فيه؟ وعلى أي أساس حول مساحة كانت تستخدمها أسرة للسكن إلى ما يشبه خزينة للأموال والهدايا ؟
أما بشأن السيارات التي تحدث عنها الأستاذ ناصيف، فمن باب الأمانة والإنصاف أن أوضح أن تقديم بعض النواب والسياسيين اللبنانيين سيارات كان أمراً قد حدث بالفعل. لكن ما أغفله الكاتب هو أن تلك السيارات كانت تُسجل باسم أجهزة المخابرات في سوريا، ولم تكن تسجل ملكية شخصية لغازي كنعان.
وهذا تفصيل جوهري لا يجوز إغفاله عند توجيه اتهامات بالفساد والإثراء الشخصي.
فقد كان غازي كنعان يدرك تماماً أن له خصوماً داخل أجهزة السلطة في سوريا، وأن خطواته وتصرفاته كانت موضع متابعة وتدقيق. ولم يكن ليمنح هؤلاء فرصة لاستخدام مثل هذه الأمور ضده أو التشكيك في نزاهته وموقعه.
وهنا تكمن المفارقة : فالسيارات التي يصورها الكاتب وكأنها دليل على ثروة شخصية مخفية كانت بحسب معرفتي، مسجلة رسمياً لدى أجهزة الدولة السورية.
وهذا لا يعفي من السؤال عن ظروف تقديمها، لكنه يفرض التمييز بين هدية تُسجل باسم جهاز رسمي وبين ادعاء أن مسؤولاً أدخلها في ثروته الشخصية.
فإن كان لدى الكاتب ما يثبت أن غازي كنعان سجل تلك السيارات باسمه فليقدمه. أما الخلط بين ممتلكات الأجهزة الرسمية والممتلكات الشخصية، فلا يصح أن يكون أساساً لاتهام بهذه الخطورة.
وأقولها هنا بوضوح لا يحتمل التأويل : إنني أرفض هذه الرواية رفضاً قاطعاً، فهي تتناقض جذرياً مع شخصية غازي كنعان كما عرفتها ، ومع المبادئ التي حكمت تعامله مع الآخرين.
لقد عرفت غازي كنعان عن قرب، ولم تكن شخصيته تقبل، في معرفتي به، أن يضع نفسه في موضع من يساوم على النفوذ أو يتلقى ثمناً شخصياً لقاء ممارسة مسؤولياته.
وليس اعتراضي هنا نابعاً من عاطفة الابن وحدها، بل من فهمي لطبيعة شخصيته وللمنطق الذي تقوم عليه السلطة والعلاقات السياسية.
فكيف يمكن لرجل يتولى إدارة واحد من أكثر الملفات السياسية والأمنية تعقيداً في الشرق الأوسط أن يحافظ على هيبته واستقلال قراره، إذا كان من يتعامل معهم يستطيعون شراء مواقفه بالأموال والهدايا ؟
وكيف يمكنه أن يجلس أمام رئيس جمهورية أو رئيس حكومة أو زعيم سياسي، وأن يفرض احترام موقعه وقراره، إذا كان هذا الأخير يعلم أنه اشترى نفوذه أو دفع له ثمن موقفه؟
إن السياسي الذي يدفع رشوة لمسؤول يصبح، في الوقت نفسه، شاهداً على فساده، وصاحب معرفة يمكن أن تستخدم ضده. وهذه علاقة تخلق التبعية والابتزاز المتبادل، ولا تؤسس بذاتها للاحترام أو الثقة.
ومن هنا فإنني أرى أن الرواية التي يقدمها الكاتب تتناقض مع طبيعة الشخصية التي يصفها هو نفسه بأنها كانت تتمتع بنفوذ واسع وقدرة على إدارة التوازنات السياسية اللبنانية طوال تسعة عشر عاماً.
فمن يجعل موقعه السياسي معروضاً للبيع يفقد جانباً أساسياً من استقلاله وهيبته، ويمنحالآخرين وسيلة للضغط عليه. وهذه، في تقديري ومعرفتي بغازي كنعان ليست شخصية غازي كنعان
وأضيف هنا أنني لا أقدم معرفتي بغازي كنعان بديلا عن الأدلة، لكنني أضع شهادتي المباشرة في مواجهة رواية تستوجب التحقق، وأطالب صاحبها بإظهار ما يثبت اتهاماته.إن الدقة في كتابة التاريخ تبدأ من معرفة المكان الذي نتحدث عنه، قبل إطلاق الأحكام على ما يزعم أنه جرى داخله.
رابعاً: مليون ونصف المليون للنائب، وثلاثة ملايين ونصف المليون للوزير…. أين الأدلة؟
في الحلقة الثانية، ذهب الأستاذ ناصيف إلى اتهامات بالغة الخطورة، إذ تحدث عن مبالغ مالية كان يُفترض، بحسب روايته، أن تدفع مقابل الوصول إلى المناصب النيابية والوزارية.
وحدد الأرقام بمليون ونصف المليون دولار للمقعد النيابي، وثلاثة ملايين ونصف المليون دولار للحقيبة الوزارية.
وهنا أتوقف بوضوح وحزم.
هذه ليست قراءة سياسية، بل اتهامات شخصية بالفساد المالي والابتزاز تستوجب أدلة واضحة ومحددة.
وأتوجه إلى الأستاذ نقولا ناصيف بتحد علني أمام الرأي العام اللبناني والسوري والعربي
ليقدم دليلا مادياً موثوقاً على أن غازي كنعان تقاضى شخصياً هذه المبالغ مقابل تعيين وزير أو إيصال نائب إلى البرلمان.
وليحدد اسم الشخص الذي دفع، والتاريخ، وطريقة الدفع، والجهة التي تسلمت المال، وأي وثيقة أو شهادة مباشرة تؤيد هذه الرواية.
وأتحدى أيضاً أي وزير أو نائب لبناني سابق يدعي أنه دفع مالاً لغازي كنعان مقابل منصبه، أن يتقدم علناً بشهادته.
فالأسماء والمبالغ المحددة تستوجب شهادات محددة، لا الاكتفاء بروايات مجهولة الأطراف تنشر بعد مرور عقود.
والأكثر إثارة للاستغراب أن الكاتب استطاع، بعد كل هذه السنوات، تحديد تعرفة» دقيقة للمقعد النيابي والحقيبة الوزارية، لكنه لم يقدم في المقابلة دليلا مصرفياً واحداً يثبت قبض غازي كنعان لهذه المبالغ.
وهنا أسأل: هل نحن أمام دراسة تاريخية موثقة، أم أمام قائمة أسعار تحتاج إلى فواتير؟ومن موقعي بصفتي نجل غازي كنعان، أعلن استعدادي للمطالبة بتدقيق مالي مستقل وشامل وفق الأطر القانونية، في الحسابات والأصول العائدة إليه التي يمكن الوصول إليها بصورة مشروعة، سواء في لبنان أو سوريا أو أي دولة أخرى.
وأذهب إلى أبعد من ذلك:
إذا ثبت وجود أموال حصل عليها غازي كنعان شخصياً من عمليات الابتزاز المالي التي تحدث عنها الكاتب، فإنني أدعو إلى تخصيص تلك الأموال المثبتة لدور الأيتام والمؤسسات الخيرية، وفق القانون وبموافقة أصحاب الحقوق.
يتبع غداً
المهندس نضال غازي كنعان