كيفية إنقاذ جولة مفاوضات روما المقبلة من التعثر؟

بقلم د. ابراهيم العرب
لم يكن دخول لبنان في المسار التفاوضي مع إسرائيل، عبر جولات روما المتعاقبة، خياراً نابعاً من قناعة راسخة بجدوى التفاوض بقدر ما كان استجابة قسرية لموازين قوى إقليمية ودولية فرضت على بيروت أن تختار “الأفضل بين الممكنات” لا “الأفضل المطلق”. فالدولة اللبنانية، المثقلة بأعباء اقتصادية وسياسية داخلية، وجدت نفسها أمام معادلة صعبة: إما الانخراط في مسار تفاوضي غير متكافئ الأدوات، وإما مواجهة تصعيد ميداني قد يطال الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت بصورة أوسع. وقد نجح هذا الخيار، حتى الآن، في ضبط سقف التصعيد عند حدود معينة، لكنه لم ينجح في تحقيق اختراق جوهري في الملفات الجوهرية: تثبيت الحدود، الانسحاب الإسرائيلي، ووقف الخروقات اليومية.
وبعد سبع جولات من المفاوضات، تبدو الصورة اليوم أقرب إلى “مراوحة منضبطة” منها إلى مسار تفاوضي منتج. فالجولة الأخيرة في روما لم تفضِ إلى أي تقدم بشأن توسيع “المناطق التجريبية”، فيما استمرت إسرائيل في خروقاتها الميدانية، وكان أبرزها التوغل في منطقة زوطر الغربية وإقامة ساتر ترابي داخلها، في أول خرق من نوعه منذ انتشار الجيش اللبناني هناك. هذا التناقض بين “التفاوض على طاولة روما” و”التصعيد على أرض الجنوب” هو جوهر الأزمة التي يتعين تفكيكها لفهم شروط إنقاذ المسار.
يمكن قراءة أزمة مفاوضات روما عبر ثلاثة مستويات تحليلية متداخلة:
الأول، يقوم المنطق التفاوضي الإسرائيلي، كما تُظهر مجريات الجولات المتعاقبة، على مقاربة “التفاوض للتفاوض”، أي الانخراط الشكلي في العملية دون الالتزام بمضامينها. وهذا النمط من السلوك التفاوضي ليس عرضياً، بل يعكس حسابات داخلية إسرائيلية مرتبطة بالتقويم الانتخابي، إذ يترافق كل اقتراب من موعد الانتخابات النيابية الإسرائيلية مع تصعيد ميداني موازٍ للتصلب في مواقف التفاوض، بما يخدم خطاب “الحسم الأمني” أمام الناخب الإسرائيلي.
الثاني، يقوم على الخلاف حول تفسير الالتزامات المرتبطة بوقف الأعمال العدائية، مما يشكل نقطة احتكاك دائمة، إذ يرى لبنان أن الاستمرار في التفاوض تحت النار الإسرائيلية يفرغ العملية من مضمونها، بينما تتعامل إسرائيل مع “المناطق التجريبية” كأداة تفاوضية تدريجية أكثر منها التزاماً باستراتيجية انسحاب واضحة المعالم.
الثالث، يقوم على إدراك الجانب اللبناني أن قدرته على فرض تنازلات مباشرة على إسرائيل محدود، وهو ما يفسر تركيز الدبلوماسية اللبنانية على تحويل الملف إلى الراعي الأميركي، باعتباره الطرف الوحيد القادر على ترجمة الحوافز إلى ضغوط فعلية. وميل رئيس الوفد المفاوض السفير سيمون كرم إلى الاستقالة، ثم تراجعه بطلب من رئيس الجمهورية، لم يكن حدثاً بروتوكولياً عابراً، بل رسالة سياسية مزدوجة: تعبير عن الإحباط من “الروتين القاتل” للمفاوضات من جهة، وتأكيد لبناني على عدم الانسحاب من العملية التفاوضية من جهة أخرى، في محاولة لتوجيه رسالة ضمنية إلى واشنطن مفادها أن المسار بات بحاجة إلى تدخل مباشر لإخراجه من حالة الجمود.
انطلاقاً من هذا التشخيص، يمكن تحديد أربعة مسارات عملية لإعادة الزخم إلى مفاوضات روما قبل الجولة المقررة في أيلول المقبل:
– تفعيل الضمانة الأميركية كآلية إنفاذ لا كإطار رعاية شكلي فحسب؛ فثمة فارق جوهري بين أن تكون واشنطن “راعياً” للمفاوضات وأن تكون “ضامناً فعلياً” لتنفيذ ما يُتفق عليه. وتحويل التصريحات الأميركية السابقة بشأن ضرورة الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان إلى التزامات قابلة للقياس الزمني، يشكل الخطوة الأولى نحو استعادة مصداقية المسار.
– ربط استمرار التفاوض بمعايير أداء واضحة، بدلاً من مفاوضات مفتوحة الأفق، يقترح كثير من المحللين اعتماد جدول زمني مرحلي محدد لتوسيع المناطق التجريبية وربطه بمؤشرات قابلة للتحقق، بما يحول العملية من “حوار دائم” إلى “التزامات متتابعة” قابلة للمساءلة.
– فصل الملف الإنساني والميداني عن الملف السياسي التفاوضي. ذلك أن وقف عمليات التجريف والتدمير الممنهج في القرى الحدودية ينبغي أن يُعامل كشرط تقني عاجل مستقل عن جدول أعمال المفاوضات السياسية، لأن استمراره يقوض الثقة بمبدأ التفاوض ذاته ويغذي الضغوط الداخلية اللبنانية باتجاه تجميد المسار.
– توظيف الرافعة الداخلية اللبنانية بذكاء تفاوضي. ذلك أن التمسك اللبناني بحصرية السلاح بيد الدولة، ومواصلة الضغط باتجاه معالجة ملف سلاح “حزب الله”، يشكلان ورقة لبنانية ذات قيمة تفاوضية حقيقية أمام واشنطن وتل أبيب على حد سواء، وينبغي توظيفهما بوصفهما التزامات لبنانية قابلة للتسويق الدبلوماسي مقابل مكاسب ملموسة في ملفي الحدود والانسحاب.
من المهم، من زاوية تحليلية متجردة، عدم المبالغة في تقدير قدرة الضغط الأميركي على تغيير السلوك الإسرائيلي بصورة جذرية وسريعة، خصوصاً في ظل تقاطع التوقيت مع الاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي. فالرهان اللبناني على “نجاح الدعم الأميركي”، وإن كان مبرراً في غياب بدائل استراتيجية أخرى، يبقى رهاناً على متغير خارجي لا تملك بيروت وحدها أدوات التحكم الكامل به. وهذا ما يفرض على الدبلوماسية اللبنانية موازاة الرهان الخارجي بجهد داخلي مواز، يقوم على تحصين الموقف التفاوضي عبر توحيد الخطاب السياسي الداخلي، وتجنّب أي تصعيد إعلامي أو سياسي من شأنه إضعاف موقع الوفد المفاوض في المحطات المقبلة.
في الختام، إن ما يجري في روما ليس مفاوضات بالمعنى الكلاسيكي القائم على تبادل التنازلات المتكافئة، بل هو أقرب إلى “إدارة نزاع” تحت غطاء تفاوضي، يسعى فيه كل طرف إلى تحقيق أقصى مكاسبه الممكنة ضمن سقف الكلفة الأدنى. ولإنقاذ هذا المسار من التحول إلى “حلقة مفرغة” بحسب التوصيف اللبناني الرسمي، لا بد من تحويل الدعم الدولي من خطاب تضامني إلى التزام تنفيذي، ومن تحويل المطالب اللبنانية من عناوين عامة إلى جدول زمني محدد وقابل للمساءلة. فبقدر ما يمثل التفاوض، في الحالة اللبنانية الراهنة، “أفضل الممكن” في غياب البدائل، فإن استمراره دون نتائج ملموسة يحمل في طياته مخاطر استنزاف الثقة الداخلية بجدوى الخيار الدبلوماسي نفسه، وهو ما قد يعيد فتح الباب أمام سيناريوهات تصعيدية لا تخدم استقرار الجنوب اللبناني ولا استقرار المنطقة برمتها.
د. ابراهيم العرب