«لو دامت لغيركَ، لما اتّصلت إليكَ»… برسم مَن هم في السلطة

بقلم دافيد عيسى

سياسي لبناني

على مدخل السراي الحكومي الكبير في بيروت، نُقشت عبارة تختصر فلسفة الحكم، وتضع كل مسؤول أمام حقيقة لا تتبدّل: «لو دامت لغيركَ، لما اتّصلت إليكَ».

وضع الرئيس الشهيد رفيق الحريري هذه العبارة عام 1998، عقب إنجاز أعمال ترميم السراي وتوسعته، لتكون تذكيرًا بأن السلطة زائلة، والمناصب لا تدوم، وأن قيمة المسؤول لا تُقاس بما يمتلكه من نفوذ، بل بما يؤدّيه من أمانة، وما يتركه من أثر.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل يتوقّف المسؤولون عند هذه الكلمات، ويتعمّقون في دلالاتها وما تحمله من معانٍ، أم يمضون أمامها وكأنّ أعينهم لا تصدّق ما تراه؟

فمَن يتولّى الشأن العام لا يملك المنصب، بل يُؤتمن عليه، والكرسي ليس امتيازًا شخصيًا، بل مسؤولية تُقاس بمدى قدرته على خدمة الناس وصون حقوقهم.

لا يمكن إنكار حجم التحديات التي تواجه لبنان، ولا تجاهل ارتباط أزماته بالتطورات الإقليمية والدولية. وقد نتفهّم عجز الدولة عن حسم بعض الملفات الكبرى والمعقّدة ذات الارتباطات الإقليمية، لكن كيف يمكن تبرير التقصير في معالجة القضايا الحياتية والمعيشية التي تقع في صلب مسؤولياتها؟

فالمواطن الذي يكافح لتأمين احتياجات أسرته، ويقلق على صحّة أبنائه وتعليمهم ومستقبلهم، لا يستطيع تعليق حياته إلى حين نضوج التسويات السياسية. وجعه يومي، وحاجاته لا تنتظر، وكرامته ليست بندًا قابلًا للتأجيل.

لسنا نطالب الدولة بحلّ أزمات المنطقة، بل بإدارة شؤون البلاد بكفاءة ومسؤولية، والقيام بواجباتها الأساسية تجاه المواطنين، بدءًا من تنظيم السير والحدّ من الفوضى على الطرقات، سواء ما يتعلّق بالشاحنات الثقيلة أو بالدراجات النارية، مرورًا بتأمين الخدمات الأساسية، وفي مقدّمها الكهرباء والمياه والطبابة، وصولًا إلى حماية حقوق الناس ومكافحة الفساد والهدر. فالمطلوب ليس وعودًا وشعارات، بل خطوات عملية وملموسة تُخفّف الأعباء عن المواطنين وتُحسّن ظروف حياتهم اليومية.

فحُسن إدارة الدولة لا يُقاس بما يُعلَن من خطط ووعود، بل بما يلمسه المواطن في حياته اليومية، من تنظيم للسير يحدّ من الازدحام والمخاطر، وتأمين للمواد الغذائية بأسعار عادلة، وتوفير للكهرباء والمياه والخدمات العامة بصورة منتظمة، وضمان لتوافر المحروقات، ورعاية صحية ميسّرة، وتعليم يصون حق الأبناء في بناء مستقبلهم، وإدارات تحترم وقت المواطنين وأموالهم، ومؤسسات تطبّق القانون على الجميع من دون استثناء.

فهذه ليست مطالب استثنائية، بل الحدّ الأدنى من الحقوق التي وُجدت الدولة لتأمينها.

ولا تقتصر مسؤولية الدولة على الخدمات والإدارة، بل تمتدّ إلى حماية أرواح المواطنين وضمان سلامتهم في حياتهم اليومية.

ففوضى السير في لبنان باتت مصدر قلق ومعاناة، ولا سيّما في ظلّ قيادة بعض سائقي الدراجات النارية عكس السير ومن دون خوذات واقية، بما يعرّض حياتهم وحياة الآخرين للخطر، وقد يؤدّي إلى حوادث يدفع ثمنها أشخاص أبرياء، فيجدون أنفسهم أمام أعباء قضائية ومادية لم يكونوا سببًا فيها.

من هنا، تبرز ضرورة قيام القوى الأمنية بدورها في ضبط المخالفات وتطبيق القانون بحزم وعدالة، ولا سيّما في ما يتعلّق بقيادة الشاحنات الثقيلة بتهوّر، وكأنّها سيارات صغيرة لا تشكّل خطرًا على الطرقات، من دون اكتراث بما قد تسبّبه هذه القيادة من حوادث تهدّد حياة المواطنين وسلامتهم.

ويزداد الأمر خطورة مع مرور هذه الشاحنات خلال ساعات الذروة، حين يغادر الموظفون والعمال أماكن عملهم أو يعودون إلى منازلهم، ما يستدعي تنظيم أوقات سيرها والحدّ من مرورها في تلك الفترات، حفاظًا على سلامة الناس وتخفيفًا للازدحام والفوضى على الطرقات.

فحماية الأرواح ليست تفصيلًا ثانويًا، وتنظيم السير ليس ترفًا، بل هما من أبسط واجبات الدولة تجاه مواطنيها، الذين من حقهم التنقّل بأمان، وألّا يدفعوا ثمن الفوضى والإهمال من سلامتهم وأموالهم وراحة بالهم.

وإذا كانت الدولة عاجزة عن حلّ جميع الأزمات، فليس أقلّ واجباتها ألّا تترك المواطن وحيدًا في مواجهتها، وألّا تزيد أعباءه بتقصير كان بالإمكان تفاديه.

لقد أنهكت اللبنانيين الوعود التي لا تتحوّل إلى أفعال، والتصريحات التي لا تتبعها نتائج، والتبريرات التي تتجدّد فيما تتفاقم الأعباء. ولم يعد كافيًا إخبار الناس بأن الظروف صعبة، فهم أوّل مَن يدفع ثمنها.

المطلوب إرادة في العمل، ووضوح في القرار، وشفافية في الأداء، ومحاسبة على النتائج. فالمسؤولية لا تُقاس بعدد الاجتماعات ولا بحجم التصريحات، بل بما يتحقّق فعليًا في حياة الناس.

والنزاهة ليست شعارًا يُرفع، بل ممارسة تبدأ بنظافة الكفّ، وصون المال العام، ورفض استغلال السلطة، والتعامل مع حقوق المواطنين باعتبارها أمانة لا مجال للمساومة عليها.

إلى كلّ مَن يتولّى اليوم مسؤولية عامة، تذكّر أنّ الكرسي الذي تجلس عليه سيجلس عليه غيرك غدًا. فاسأل نفسك: ماذا قدّمت للناس؟ هل خفّفت وجعًا، أو أنصفت مظلومًا، أو حفظت حقًا؟ أم اكتفيت بإدارة موقعك وحسابات بقائك فيه؟

قد ينسى الناس كثيرًا من التفاصيل السياسية، لكنهم لا ينسون مَن وقف إلى جانبهم في الشدّة، ولا مَن خذلهم حين كانوا بأمسّ الحاجة إلى دولتهم.

فالتاريخ لا يحفظ المناصب لذاتها، بل يحكم على أصحابها بما أنجزوه وما قصّروا فيه. وما يبقى في ذاكرة الناس ليس عدد السنوات التي أمضاها المسؤول في منصبه، بل ما أحدثه من تغيير في حياتهم، وما قدّمه لهم من إنصاف، وما صانه من حقوقهم.

إنّ العبارة المنقوشة على مدخل السراي الحكومي الكبير ليست مجرّد حكمة من الماضي، بل رسالة حاضرة إلى كل مسؤول: لا تجعل المنصب غايتك، ولا تقدّم حسابات السلطة على وجع الناس، ولا تنتظر مغادرة موقعك لتدرك أنّ قيمتك الحقيقية تكمن فيما أنجزته من أجلهم.

«لو دامت لغيركَ، لما اتّصلت إليكَ».

فالسلطة زائلة، والأمانة باقية في ميزان الضمير. اخدم الناس ما دمت في موقع المسؤولية، وأنصفهم قبل فوات الأوان، وتذكّر أنّ قيمة المسؤول لا تكمن في مدّة بقائه في الحكم، بل في الأثر الذي يتركه حين يرحل.

ففي النهاية، لا يبقى سوى وجه الله، وسيرة الإنسان، وما قدّمه من خير للناس.

دافيد عيسى