كتب عوني الكعكي:
باتت المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية معلّقة على تداخل معقّد بين الحسابات الأمنية والسياسية والعسكرية، خصوصاً وأنّ الجولة السابقة من المفاوضات في روما، انتهت من دون اختراق حقيقي… رغم ما قاله فخامة رئيس الجمهورية حول تقدّم لافت في تلك المفاوضات واختراقات ملموسة.
المشكلة الأساسية أنّ الدولة العبرية لا تتعامل مع المطالب اللبنانية باعتبارها مطالب سياسية منفصلة عن هواجسها الأمنية.
وهذه بعض التعليقات التي صرّح بها قادة «إسرائيل»… فقد أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي «يسرائيل كاتس» برفقة قادة عسكريين خلال جولة في جنوب لبنان، رفض «إسرائيل» القاطع الانسحاب من الأراضي اللبنانية، أو تحديد جدول زمني لذلك. مؤكداً «أنّ الجيش سيظل متواجداً في مناطق أمنية» داخل لبنان، لحماية الحدود «الإسرائيلية» حسب زعمه، بلا إطار زمني.
إلى ذلك، أعلن ناطق باسم «الجيش الإسرائيلي» أنّه يدافع عن نفسه من المناطق المتواجد فيها في لبنان، وأنّه لن ينسحب من هذه المناطق حماية لحدوده الشمالية.
أما نتنياهو، فهو يطالب بالبقاء في الأماكن المحتلة، وإضافة أماكن أخرى يضع «عينه» عليها مثل «علي الطاهر» وغيرها، مضيفاً الى ما قاله قادة الكيان الإسرائيلي من ضرورة عدم الانسحاب لحماية المستوطنات الشمالية. لكن الجميع يعلمون أنّ نتنياهو يلعب على «مائة حبل» وهدفه واحد، استغلال معركته في لبنان في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة.
ويتساءل الكثيرون: لماذا لا يعمد الرئيس الأميركي دونالد ترامب الى كبح جماح نتنياهو وقادته المتطرفين، وفرض الانسحاب عليهم؟
جواباً أقول: أنا واثق أنّ الرئيس الأميركي دونالد ترامب صادق في توجهاته، وفي حبّه للبنان… لكنه يتعامل مع الأمور بدراية وحنكة وخبرة قلّ نظيرها… وهو بالتأكيد مع انسحاب إسرائيل من كامل الأراضي المحتلة في لبنان.
وللتأكيد على ما أقول، أعود الى لقاء رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس «الميكانيزم» الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد والسفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى وإلى ما تمّ في الاجتماع من تداول في قضايا ذات طابع أمني وميداني، وأخرى تتعلق بتنفيذ بنود «إتفاق الإطار».
لقد عرض الجنرال الأميركي للرئيس عون نتائج مباحثاته التي أجراها في «إسرائيل»، ومنها آلية التحقق من تنفيذ «إتفاق الإطار» والانسحابات التجريبية، وانتشار الجيش اللبناني.
ما تسرّب من اللقاء يوحي بأمرين أكيدين:
الأوّل: المفاوضات ليست سهلة بالتأكيد… وهذا ما ذكرناه مراراً، وقلنا بأننا يجب أن نتحلّى بالصبر، والتمسّك بمبادئنا التي لن نتنازل عنها، مع العمل بحكمة لإبطال كل ما يرسمه نتنياهو وقادته المتطرفون من عراقيل «لفركشة» الاتفاق والتنصّل من أي اتفاق، مع وضع اللوم على لبنان، موضحاً أنّ الجيش اللبناني مقصّر بالقيام بواجبه.
الثاني: بما أنّ المفاوضات ليست سهلة -كما أشرنا-، فإنّ الإصرار الأميركي على حلّ القضية، وفرض الانسحاب على إسرائيل مؤكد. والدليل بقاء الجنرال الأميركي أياماً إضافية لحلحلة الأمور.
وهذا ما يؤكد الحرص الأميركي، بتوجيه من الرئيس ترامب، على إنجاح اتفاق «الإطار»..
ورغم تعدّد المواقف والخطوات الديبلوماسية التي يراها المؤيدون دليلاً على رغبة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في دعم الاستقرار ومساعدة لبنان، أبرزها رعاية اتفاق «الإطار» الأخير، والوعود المعلنة بتقديم خطط ملموسة لدعم الجيش اللبناني، وتعزيز حضور مؤسّسات الدولة. ومن الأدلة والمؤشرات على «الدعم الأميركي» الجاد:
أولاً: رعاية الاتفاق الإطاري من خلال إشراف الإدارة الأميركية على تفاهمات لانتشار الجيش اللبناني في مناطق جنوبية كخطوة أولية لتخفيف التوتر.
ثانياً: الوعود المالية والعسكرية: فتأكيدات ترامب خلال لقاءات رسمية مع القيادة اللبنانية تدل على وجود خطط لدعم المؤسّسة العسكرية لمواجهة الانهيار.
ثالثاً: دعوات التهدئة من خلال إطلاق تصريحات علنية تطالب بوقف القتل والدمار والإفساح في المجال للحلول السياسية وعودة النازحين.
إنّ كل ما ذهبنا إليه، يدلّ دلالة واضحة على أنّ الخيار الذي اتخذه لبنان من خلال موقف رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة د. نواف سلام، كان خياراً وحيداً وسليماً وصحيحاً وعاقلاً وحكيماً.. فاتفاق «الإطار» والرهان على ما يقوم به الرئيس ترامب، سيؤدي حتماً الى انسحاب إسرائيل. فالمنتصر هو الذي يفرح في النهاية، رغم تحمّله المشقات..
فنحن في معركة «خسرناها» شئنا أم أبينا، ولسنا أمام أي حلّ آخر… ومن له رأي معاكس فليتحفنا برأيه، مع الأدلة الدامغة على ما ذهب إليه… وإلاّ فلنكن جميعنا «يداً واحدة» خلف الدولة، صاحبة السلطة الشرعية الوحيدة، وصاحبة قرار الحرب والسلم…
فلنكن موحّدين… وإلاّ ندمنا جميعنا… ولات ساعة مندم.