نواف سلام ودبلوماسية الدولة من نيويورك إلى واشنطن / 2

بقلم د. ابراهيم العرب

ولهذا التقى سلام وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، وبحث معه الإصلاحات المالية والمصرفية، وإعادة بناء القطاع المصرفي، ومسار المفاوضات مع صندوق النقد الدولي والتعاون مع البنك الدولي. كما تناول البحث مكافحة الاقتصاد النقدي وتعزيز الشفافية والامتثال ومكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

ثم انتقل النقاش إلى مجموعة البنك الدولي، حيث التقى سلام رئيس المجموعة أجاي بانغا، وبحث معه توسيع التعاون في مجالات الإصلاح والتعافي وإعادة الإعمار والطاقة والمياه والبنى التحتية والتحول الرقمي وشبكات الأمان الاجتماعي.

أما مع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا، فقد تركز البحث على مسار المفاوضات والإصلاحات المطلوبة، وانتهى الاجتماع إلى الاتفاق على زيارة وفد من صندوق النقد إلى لبنان بعد الاجتماعات السنوية للصندوق والبنك الدولي لاستئناف المفاوضات، بما يشكل خطوة عملية في المسار التفاوضي. وهذا الجانب مهم للغاية؛ لأن لبنان لا يحتاج إلى مساعدات ظرفية فحسب، بل يحتاج إلى إعادة بناء الثقة الدولية بقدرته على الإصلاح، وإلى استعادة موقعه داخل النظام المالي الدولي.

غير أن السياسة اللبنانية في واشنطن لا يمكن فصلها عن السؤال الأصعب: ماذا بعد «اليونيفيل»؟ وكيف يمكن ضمان عدم نشوء فراغ في الجنوب؟ فلقد حمل سلام هذا الملف معه إلى نيويورك وواشنطن. ففي نيويورك عبّر بوضوح عن ضرورة استمرار وجود دولي يؤدي مهام المراقبة والإفادة والتواصل، ويدعم الجيش اللبناني في بسط سلطة الدولة. كما أُثيرت المسألة في لقاءاته مع عدد من المسؤولين الدوليين والعرب.

أما التفاصيل المتعلقة بتركيبة أي قوة أو آلية دولية بديلة، وبالدول التي يمكن أن تشارك فيها، وبطبيعة مهماتها ومرجعيتها القانونية ونطاق انتشارها، فلا تزال في دائرة البحث، ولا يصح التعامل مع ما يتداول إعلامياً بشأنها باعتباره اتفاقاً نهائياً.

وهنا تبرز قاعدة أساسية في الدبلوماسية اللبنانية: المطلوب وجود دولي مساعد للدولة، لا وجود دولي يحل محل الدولة. فأي صيغة مستقبلية ينبغي أن تكون واضحة في مهماتها وصلاحياتها وآليات تنسيقها مع المؤسسات اللبنانية، وأن تحافظ في الوقت نفسه على سيادة لبنان وعلى الدور المركزي للجيش اللبناني.

من السهل سياسياً وصف زيارة سلام بأنها «ناجحة»، لكن القراءة الأكاديمية الأكثر دقة تقتضي التمييز بين نجاح الزيارة بوصفها أداة دبلوماسية، وبين نجاح السياسات التي سعى لبنان إلى تحقيقها والتي لا تزال تحتاج إلى مفاوضات وتنفيذ. فالزيارة نجحت، وفق المعطيات الرسمية، في فتح قنوات واسعة مع الإدارة الأميركية والمؤسسات المالية الدولية، وفي إعادة عرض الموقف اللبناني بصورة مباشرة، وفي الحصول على مواقف أميركية معلنة تؤكد دعم لبنان وتنفيذ الإطار الثلاثي. كما نجحت في إبقاء الإصلاح الاقتصادي والتعافي وإعادة الإعمار على جدول الحوار الدولي، بالتوازي مع الملفات الأمنية والسيادية.

لكن النجاح الدبلوماسي الحقيقي يُقاس في النهاية بما يأتي بعد الزيارة. فالجداول الزمنية تحتاج إلى تفاوض، والالتزامات تحتاج إلى تنفيذ، والإصلاحات تحتاج إلى تشريعات وقرارات ومؤسسات، والدعم الدولي يحتاج إلى خطوات لبنانية مقابلة. أما استعادة السيادة فلا تتحقق بالبيانات وحدها، بل عندما تصبح الدولة قادرة على ممارسة سلطتها الفعلية والمتوازنة على كامل أراضيها.

ومن هنا، فإن أهمية زيارة سلام لا تكمن فقط في ما حمله معه إلى واشنطن، بل في ما ينبغي أن يحمله لبنان من واشنطن إلى بيروت: مسار سياسي واضح، ومسار اقتصادي قابل للتنفيذ، ودعم دولي لمؤسسات الدولة، ومسؤولية لبنانية في تحويل الفرص الدبلوماسية إلى سياسات عامة.

في الختام، ربما يكون أكثر ما ميّز هذه الزيارة أن لبنان ظهر فيها، في عدد كبير من اللقاءات، بوصفه دولة تسعى إلى تثبيت موقعها لا إلى طلب التعاطف معها؛ دولة تعرض مشكلاتها ولكنها تعرض معها رؤيتها للحل؛ دولة تطلب الدعم الدولي، لكنها تربطه بإعادة بناء مؤسساتها وتعزيز قدرتها على القيام بوظائفها. وهذه هي الدبلوماسية التي يحتاج إليها لبنان في هذه المرحلة: دبلوماسية هادئة، لا ترفع سقف الخطاب أكثر مما تحتمل الوقائع، ولا تتنازل في الوقت نفسه عن الحقوق والمصالح الوطنية؛ دبلوماسية تعرف أن المجتمع الدولي لا يمنح الدول مكانتها مجاناً، وأن المكانة تُبنى أيضاً من الداخل، بالإصلاح والمؤسسات ووحدة القرار.

لقد انتقل نواف سلام من نيويورك، حيث تحدث لبنان أمام الأسرة الدولية، إلى واشنطن، حيث وُضعت الملفات الأكثر حساسية على طاولة القرار الأميركي والمؤسسات المالية الدولية. وبين المدينتين، بدا أن الرسالة اللبنانية واحدة: لبنان يريد أن يستعيد عافيته بوصفه دولة، وأن تكون علاقاته الخارجية جسراً إلى السيادة والاستقرار والتعافي، لا بديلاً عن إرادته الوطنية.

ويبقى الامتحان الحقيقي الآن في بيروت؛ إذ إن أفضل زيارة دبلوماسية لا تصبح إنجازاً وطنياً إلا عندما تجد طريقها إلى المؤسسات، والقوانين، والإصلاحات، والحدود، والاقتصاد، وحياة اللبنانيين اليومية. فالدبلوماسية قد تفتح الأبواب، لكنها لا تبني الدولة وحدها؛ الدولة تُبنى عندما تتحول الأبواب المفتوحة إلى طريق لبناني طويل نحو السيادة والإصلاح والاستقرار.

د. ابراهيم العرب