بقلم سحر ناصر
لقد تأسست “إسرائيل” عام 1948 على احتلال الأرض وتهجير أصحاب الأرض بالقوة، ثم تحويل هذه القوة إلى واقع دائم لتُكرّس معادلة واضحة لا تحتاج إلى فقهاء في السياسة لإدراكها، ولا إلى تصريحات رسمية للتأكد منها: فالتغيير الديموغرافي لن يبدأ بإعلان سياسي، والسيطرة العسكرية لن تنتهي بتصريح شكلي، والعلاقة بين الإنسان وأرضه لن تُختزل بلقاء ودّي.
لقد دعا «أبناء البلدات الجنوبية الحدودية» في لبنان إلى تحرك مدني وطني واسع يوم الثلاثاء في 22 سبتمبر 2026 بعنوان «كفى سكوتًا عن محو قرانا» احتجاجًا على تدمير القرى الجنوبية ومنع الأهالي من العودة، مُطالبين الدولة اللبنانية والجهات المعنية بالتحرك لوقف النزوح، وتأمين العودة الكريمة، وإعادة الإعمار.
تُعدّ هذه الصرخة إنذاراً سياسياً واجتماعياً ووطنياً ينبغي لكلّ لبناني على اختلاف طوائفه بالداخل والخارج تلقيه، وألّا يُقرأ كتحرّك مطلبي عابر لأصحاب الأرض. فالخطر الأكبر القادم ليس فيما يرتكبه الاحتلال من تدمير للممتلكات وجرف للأراضي وإنما في المخططات الاستيطانية التي ما يزال البعض يراها ضرباً من الخيال.
ومع التحفظ على المزايدات الداخلية والأجندات الداخلية وصكوك الوطنية التي تُوزّع من أصحاب الأرض على بقية اللبنانيين بلغة تُنفرّ الكثيرين من التضامن الإنساني مع ما يجري في جنوب لبنان، إلا أنّ ذلك لا يخفي حقيقة قاسية على جميع اللبنانيين وهي أن الاستيطان يتوارى خلف كل منزل يُنسف، ومع كلّ عائلة تنزح، وفي طريق يُغلق.
ومع مرور الوقت وتصعيد العمليات العسكرية وإطالة أمد المفاوضات، يتحوّل النزوح من ظرف مؤقت إلى واقع دائم. ولا يخفى على أحد التغير الواسع في النسيج العمراني لبلدات جنوبية نتيجة تجريف أراضٍ وظهور مسارات جديدة حول نقاط التمركز الإسرائيلية بحسب ما أظهرته صور الأقمار الصناعية.
إنها حرب تستهدف الذاكرة والملكية. وأمام هذا الواقع، من الطبيعي أن يسأل أصحاب الأراضي: ماذا تفعل الدولة؟ فحماية السيادة والحدود والمواطنين مسؤوليتها أولًا. ولكن في ظلّ الواقع المعقد التي تعيشه الدولة اللبنانية، لا بُدّ من دعم مكوّنات المجتمع المدني، لا ليحل محل مؤسسات الدولة، ولا ليحمل السلاح، بل ليمنع تحويل النزوح إلى اقتلاع.
وأول ما يمكن فعله هو تحويل حق العودة من شعار سياسي إلى مشروع يومي، وإنشاء سجل وطني رقمي للقرى الحدودية يضم سندات الملكية، الخرائط، الإحداثيات، الصور القديمة والحديثة، شهادات السكان، صور الأقمار الصناعية، والأضرار الموثقة لكل بيت ومدرسة ومتجر ومنشأة مدنية وحتى مقبرة. فتوثيق الجغرافيا جزءًا من الدفاع عنها.
والأهم أن يتحرك الإعلام في لبنان بهذا الاتجاه وأن يحمل مسؤولية سلاح السردية. فالقرية التي تختفي من وسائل الإعلام ستختفي من الوعي العام، والمطلوب إطلاق مشروع إعلامي ومعرفي متكامل بين وسائل الإعلام ومراكز البحوث والأوساط الأكاديمية الفاعلة، لحفظ أسماء القرى وذاكرتها وتسجيل قصص أهلها وذاكرة بيوتها وأراضيها، وإيصالها إلى العالم عبر مختلف المنصات المتاحة: ماذا كان هنا؟ من كان يسكن هنا؟ من يملك الأرض؟ ماذا دُمّر؟ ومن مُنع من العودة؟ ونقل الخبر اليومي من إطار السردية المتنازع عليها سياسياً بين الأحزاب إلى مشروع وطني.
صحيح أنّ القانون وحده لا يكفي وربما الإعلام لن يحقق الغايات السياسية بوجه المخططات الاستيطانية، لكن المعركة الأعمق هي معركة البقاء. وتستطيع هذه القوى مجتمعة في حال وُجدت الإرادة الوطنية في العهد الجديد أن تُشكل شبكة قانونية دائمة تُحوّل كل منزل مهدوم، وكل أرض مجروفة، وكل مدرسة، وكل أسرة مهجرة، من خبر يومي إلى ملف قانوني قابل للدراسة أمام المؤسسات الدولية والآليات الأممية المختصة.
كذلك يحتاج الجنوب إلى صناديق مدنية تعمل ضمن آلية شفافة، لا أن تُودع أموالها في «بيت مال المحرومين»، لدعم العائلات الحدودية، ومساعدة المزارعين، ودعم المدارس والخدمات الصحية والاقتصاد المحلي بتحرك من المجتمع المدني.
السيادة ليست في تصريحات الدولة بأنّ هذه الأرض لبنانية، بل في الدفاع عن أصحابها سياسيًا وقانونيًا وإعلاميًا واقتصاديًا، وأن تُحفظ ملكيتهم.
ولكي يبقى اللبناني قادرًا على إثبات ملكية منزله، وأرضه، وقريته، يجب ألّا يتحول النزوح إلى فراغ، ومن ثم إلى استيطان فهذه الأرض لها أصحاب.
الدولة عبارة عن أرض وشعب وهوية. والفصل بين الدولة وشعبها يُفرغها لا من سلطتها فحسب، بل من هويتها وذاكرتها.
سحر ناصر