بقلم المحامي عمر زين
الأمين العام السابق لاتحاد المحامين العرب
ببالغ الحزن والأسى تلقينا نبأ رحيل الأستاذ والدكتور يحيى أحمد الكعكي، ذلك الرجل الذي لم تكن حياته مجرد سنواتٍ مرّت، بل كانت مسيرةً من العلم والتعليم والفكر والكتابة، ترك خلالها أثراً في نفوس طلابه وقرائه وكل من عرفه واقترب منه.
إن رحيل رجلٍ من أمثال يحيى أحمد الكعكي ليس خبراً عابراً، لأننا لا نودّع شخصاً فحسب، بل نودّع مرحلة من مراحل الحياة الفكرية والثقافية اللبنانية والعربية، ونفتقد إنساناً جعل من المعرفة رسالة، ومن الكلمة مسؤولية، ومن القلم وسيلة للدفاع عن القيم التي آمن بها.
عرفه طلاب العلم أستاذاً، وعرفته الجامعات معلماً وباحثاً، وكان له حضوره الأكاديمي في بيروت، كما امتد نشاطه العلمي والأكاديمي إلى مصر، فكان من أولئك الذين لم يروا في التعليم وظيفة تنتهي بانتهاء المحاضرة، بل رسالة تقوم على بناء الإنسان والعقل، ونقل المعرفة من جيل إلى جيل.
وكان يحيى أحمد الكعكي أيضاً صاحب قلم حاضر في الحياة الثقافية والصحافية. فقد كتب في جريدة الشرق، وظل قلمه يتناول القضايا اللبنانية والعربية والوطنية والفكرية، مستحضراً التاريخ والشخصيات الوطنية، ومعبّراً عن رؤيته للبنان الدولة والوطن والمواطنة. ومن مقالاته المنشورة في «الشرق» كتاباته عن الرئيس رشيد كرامي، وعن الدولة اللبنانية والوطن النهائي، وغيرها من المقالات التي تكشف عن اهتمامه العميق بالشأن العام.
ولم يكن حضور الكعكي مقتصراً على الجامعة والصحافة والبحث، بل امتد إلى مجالات اجتماعية ووطنية ورياضية، فكان له حضور في نادي الأنصار الرياضي، أحد الأندية العريقة في لبنان. وقد تولّى عضوية مجلس أمناء النادي، كما كان عضواً في الهيئة الإدارية، بما يعكس اهتمامه بالحياة العامة وبالمؤسسات التي تجمع الناس حول قيم الانتماء والعمل والتعاون.
وكان وجوده في نادي الأنصار يتجاوز الإطار الرياضي بمعناه الضيق، فالرياضة بالنسبة إلى أمثال الكعكي كانت جزءاً من بناء المجتمع، ومساحةً لتربية الشباب على الانضباط والالتزام وروح الجماعة، وتعزيز الانتماء الوطني بعيداً عن الخلافات والانقسامات.
أما المحطة التي تختصر جانباً مهماً من مكانته العلمية والفكرية، فهي ارتباط اسمه بـ “الأزهر الشريف”، حيث كان مستشاراً لشيخ الأزهر الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب. وهي مسؤولية تعكس ما كان يتمتع به من معرفة وخبرة وحضور فكري، وتكشف عن اتساع دائرة علاقاته العلمية والفكرية التي تجاوزت لبنان إلى العالم العربي والإسلامي.
ومن موقعه مستشاراً، كان قريباً من واحدة من أعرق المؤسسات الدينية والعلمية في العالم الإسلامي، حاملاً معه خبرته الأكاديمية والفكرية اللبنانية والعربية، ومشاركاً في فضاءٍ يقوم على الحوار والعلم والبحث في قضايا الدين والمجتمع والإنسان.
ولم يكن حضوره الفكري محصوراً في الصحافة، فقد ترك مؤلفات وبحوثاً في قضايا عربية وفكرية ودينية وتاريخية، ومن بينها كتاب «عدم الانحياز بين النظرية والتطبيق»، وكتاب «الشرق الأوسط والصراع الدولي»، وكتاب «العقل في الإسلام»، إضافة إلى مؤلفات أخرى تناولت قضايا الفكر والمجتمع والعلاقات الدولية.
وكان للكعكي حضور أيضاً في الحياة الوطنية والفكرية اللبنانية، وقد ارتبط اسمه بمتابعة قضايا دار الفتوى والحياة الإسلامية والوطنية، وكان له حضور في مراحل ومحطات مرتبطة بالشأن الديني والوطني العام، الأمر الذي جعله شخصية تجمع بين الأكاديمي والمفكر والكاتب والمهتم بالشأن العام.
لكنني، وأنا أكتب في وداعه، لا أريد أن أتوقف عند المناصب أو المؤلفات أو المقالات وحدها، لأن الإنسان أكبر من سيرته المكتوبة.
أريد أن أتذكر يحيى أحمد الكعكي الإنسان؛ الأستاذ الذي ترك أثراً في طلابه، والمثقف الذي لم يتخلَّ عن قلمه، والكاتب الذي كان يرى في الكلمة أمانة، والرجل الذي بقي قريباً من قضايا وطنه وأمته.
لقد كان من جيلٍ آمن بأن للثقافة دوراً في بناء المجتمع، وأن الجامعة ليست مكاناً لمنح الشهادات فقط، وأن الصحافة ليست مجرد أخبار، بل مسؤولية في حفظ الذاكرة والدفاع عن الحقيقة وإبقاء الأسئلة الكبرى حاضرة أمام الناس.
ومن يعرفه يعرف أن علاقته بالكتاب والقلم لم تكن علاقة عابرة. كان يحمل معه ذاكرة واسعة، ويستحضر التاريخ لا لمجرد سرد أحداثه، وإنما لفهم الحاضر واستشراف المستقبل.
وهنا تكمن قيمة أمثال هؤلاء الرجال: أنهم يتركون وراءهم ما هو أبقى من العمر؛ تلميذاً تعلّم منهم، وقارئاً تأثر بكلمة، وكتاباً بقي على الرف، ومقالاً ظل شاهداً على صاحبه، وفكرةً انتقلت من عقل إلى عقل.
لقد رحل يحيى أحمد الكعكي، لكن ما كتبه وما علّمه وما تركه في ذاكرة من عرفه لن يرحل معه.
وفي زمنٍ تتراجع فيه قيمة الكتاب أمام سرعة الصورة، وتضعف فيه مكانة الفكر أمام ضجيج اللحظة، نشعر أكثر بقيمة الذين عاشوا للعلم والكلمة، وأعطوا من وقتهم وجهدهم للجامعة والكتاب والصحافة والوطن، وشاركوا في الحياة العامة من مواقع متعددة، من الجامعة إلى الصحافة، ومن المؤسسات الوطنية والرياضية إلى رحاب الأزهر الشريف.
لقد كان يحيى أحمد الكعكي من أولئك الذين تعددت مواقع حضورهم، لكن بقي القاسم المشترك بينها واحداً: العلم وخدمة الإنسان والمجتمع والوطن.
رحم الله الأستاذ والدكتور يحيى أحمد الكعكي، وأكرم نزله، وألهم عائلته ومحبيه وتلامذته الصبر والسلوان.
نعزي أنفسنا ونعزي لبنان والعالم العربي برحيل رجلٍ من رجال العلم والفكر والقلم، ترك بصمته في الجامعة والصحافة والمؤسسات الاجتماعية والرياضية، وفي رحاب الفكر الإسلامي والأزهر الشريف.
رحل يحيى أحمد الكعكي، وبقيت كلمته… وبقي أثره… وبقيت سيرته شاهدةً على أن الإنسان قد يغيب، لكن العلم والكلمة الصادقة لا يموتان.
المحامي عمر زين