الأسمر ” للشرق” أرقام كارثية في القطاع الخاص في الجنوب والزيادات المقترحة للقطاع العام يطرح خيار تقسيطها ابتداءً من أيلول والحاج ” للشرق” رواتب العاملين في القطاع المصرفي غير مشجعة

ثلث عمال لبنان خارج سوق العمل

كتبت ريتا شمعون
إن الأزمة الحالية في لبنان لم تدمّر المباني والبنية التحتية فحسب، بل دمّرت أيضا الوظائف والمداخيل والأسس الهشة التي تستند اليها حياة كثير من الناس.
وبحسب التقرير الذي أعده المكتب الإقليمي للدول العربية في منظمة العمل الدولية بالشراكة مع الاتحاد العمالي العام في لبنان والاتحاد الوطني لنقابات العمال والمستخدمين في لبنان، أن الأزمة الأخيرة في لبنان قد تسببت في اضطرابات حادة في سبل عيش العاملين في القطاع الخاص.
وفي التقرير، برز النزوح كعامل رئيسي في فقدان الوظائف، وارتفاع معدلات البطالة حيث شكّل النزوح القسري لأكثر من مليون شخص ركيزة أساسية لانقطاع العمال عن أعمالهم، فضلا عن انخفاض الأجور وشروط العمل الجديدة.
حتى قبل اندلاع الحرب كانت سوق العمل في لبنان تواجه تحديات هيكلية كبيرة، بما في ذلك محدودية التحول الاقتصادي وخلق فرص العمل، وانتشار العمل غير المنظم، وهيمنة الوظائف منخفضة الإنتاجية، وأتت الحرب لتعمق هذه الهاشاشات، إذ رفعت معدلات البطالة وفاقمت الفقر وانعدام الأمن الاقتصادي.
اما ما هي أبرز التداعيات والأسباب التفصيلية جراء الظروف الأمنية والسياسية، وما هي الفئات الأكثر تضرراً، والقطاعات الأكثر تراجعا “كالقطاع المصرفي والمالي” ؟
رئيس الاتحاد العمالي العام في لبنان بشارة الأسمر، وفي حديث خاص لجريدة ” الشرق” أكد أن لبنان يعيش أزمة غير مسبوقة بسوق العمل، حيث تسببت الأحداث الأمنية في خروج ثلث العاملين في القطاع الخاص من سوق العمل.
وفي التفاصيل، بدأ الأسمر حديثه من الجنوب حيث يشهد كارثة اقتصادية غير مسبوقة تقدر خسائرها الاجمالية بمليارات الدولارات، حيث دمرت آلاف المؤسسات التجارية والمصانع، وتشير تقارير جمعية الصناعيين اللبنانيين الى خروج معظم المصانع على الشريط الحدودي عن الخدمة وتوقفها، وتظهر النتائج أن 76% بين سكان محافظة النبطية و43% بين سكان محافظة الجنوب خسروا وظائفهم، غير ان الأثر لم يقتصر على مناطق المواجهة، إذ تأثر العمال في محافظات أخرى مثل البقاع والضاحية الجنوبية بالإضافة الى جبل لبنان نتيجة تراجع النشاط التجاري واضطرابات الأسواق على نطاق أوسع.
وتحدث الأسمر، عن كارثة القطاع الزراعي طويلة الأمد، قد تضرر وتأثر بشكل مباشر وغير مباشر، وتمّ تدمير آلاف الدونمات الزراعية وبساتين الزيتون والليمون، وخروج صغار المزارعين الذين يملكون 80% من الحيازات بلا أي مصدر دخل اليوم، بينما تضرر نحو 22% من المساحات الزراعية نتيجة الحرائق مستخدمة إسرائيل مادة الفوسفور الأبيض الحارقة فوق المناطق في الجنوب ، مما أدّى الى توقف عدد كبير من المزارعين قسراً، لافتا الى ان حركة المناحل وسوق النحل في جنوب لبنان توقفت كليا بسبب الوضع الأمني، فقد النحالون القدرة على متابعة أو تقل خلاياهم، فضلا عن تراجع إنتاج العسل السنوي بشكل حاد.
أما القطاع السياحي، يقول الأسمر، تأثر بشكل كبير بسبب التوترات الأمنية، حيث تسجل نسب الإشغال الفندقي في هذه الفترة ، نحو 30% في المناطق الآمنة، وهذا المستوى لا يكفي أبدا لتغطية التكاليف التشغيلية المرتفعة.
وتحت وطأة الحرب وفقدان ثلث العمال وظائفهم يقدر الأسمر، بان نسب البطالة في لبنان بين النساء نحو 40% بينما سجلت عند الرجال نحو 35% وهي نسبة مرتفعة وسط تراجع كبير في فرص العمل، متوقعا أن تنخفض تحويلات المغتربين الى النصف هذا العام نتيجة التطورات في لبنان وكذلك في الخليج والركود العالمي.
ويرى أن حالة الانفصال التام للطبقة السياسية عن الواقع وتجاهلها للقدرة الشرائية المنهكة للمواطنين هي واقع مرير يتشاركه كثيرون، مشيرا الى ان المساعي تتصاعد من قبل الاتحاد العمالي العام والهيئات الاقتصادية لإلغاء المرسوم الذي فرض رسوما إضافية بنسبة تتراوح بين 1و3% على مئات السلع بشكل جذري، معتبرا ان تعليق القرار مؤقتا هو بمثابة ” هدنة” تمهيدا لتطبيقها لاحقا.
وأكد الأسمر، أن الاتحاد العمالي العام ينفذ بالشراكة مع وزارة الشؤون الاجتماعية إحصاءات لحصر العمال المصروفين والمتضررين من الأزمات، ذلك بهدف إدراجهم ضمن برامج الدعم وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية.
أما بالنسبة للزيادة التي أقرها مجلس الوزراء ( تعويض مؤقت يعادل 6 أضعاف الراتب الأساسي) هي قيد الدرس اليوم وفق الأسمر، فإن عدم توفر الاعتمادات أجّل صرف الزيادات كاشفا عن السيناريو الذي يتم التداول به مع رئيس الحكومة ووزير المالية وسيعرض على موظفي القطاع العام، لتقسيط تلك الزيادات والمستحقات، التي تبلغ كلفتها السنوية نحو 800 مليون دولار ابتداءً من أيلول المقبل.
ومن القطاعات الأكثر تراجعا، القطاع المصرفي في لبنان الذي يشهد إنكماشا بنيويا منذ العام 2019 حيث تحولت البنوك الى مؤسسات مشلولة شبه معطلة، فقد تقلص حجم القطاع الى النصف وتوقفت خدماته الاستثمارية والائتمانية الأساسية مقتصرا على القيود وتقنين السحوبات.
ومن أبرز مؤشرات تراجع القطاع المصرفي بالأرقام، يكشفها رئيس إتحاد موظفي المصارف في لبنان جورج الحاج في حديث خاص لجريدة ” الشرق” قائلاً:
تراجع عدد الموظفين في القطاع بنسبة تقارب 50% لينخفض من حوالى 23,000 ألف موظف الى نحو 12,000 ألف موظف. لافتا في هذا السياق الى ان أسباب انخفاض العاملين في القطاع : بلوغ سن الرابعة والستين، والصرف من العمل بسبب الأزمة المصرفية وتدني الرواتب مما أدّى الى استقالات عدة.
أما عدد فروع المصارف، قد انخفض عدد الفروع المصرفية داخل لبنان بأكثر من 40% من (1,100 فرع في أيلول 2019 الى ما يقارب 700 فرع حاليا في كافة المحافظات ، مشيرا الى ان السبب الأزمة المصرفية.
وأكد الحاج، ردا على سؤال، لم يعد القطاع المصرفي يجذب خريجي الجامعات كما كان الحال في العام 2019، والسبب أن الرواتب في أكثرية المصارف لم تصحح لتتناسب مع الواقع المعيشي، كما أن وتيرة الأعمال تراجعت وباتت المصارف عاجزة عن أداء دورها الفعلي في تمويل الاقتصاد اللبناني بالتالي، لا تحتاج المصارف الى كوادر جديدة، مؤكدا ان القطاع المصرفي اليوم بحاجة الى أصحاب التخصص في المعلوماتية، مبديا أسفه بان الرواتب التي تدفع الى العاملين في القطاع المصرفي اليوم هي في أكثر الأحيان غير مشجعة.