بقلم دافيد عيسى
سياسي لبناني
قد تبدو الابتسامة تفصيلاً صغيراً في عمل مؤسسة أمنية، لكن بعض التفاصيل الصغيرة تقول الكثير عن الدولة التي نريدها، وعن العلاقة التي ينبغي أن تقوم بينها وبين مواطنيها وضيوفها.
في زمن باتت فيه علاقة المواطن بالمؤسسات الرسمية تُقاس، في كثير من الأحيان، بسرعة إنجاز المعاملة، وعدد الأوراق المطلوبة، وأسلوب الموظف في التعامل، يأتي توجيه بسيط ليذكّرنا بأن الدولة ليست إجراءات وقوانين فقط، بل هي أيضاً سلوك وثقافة وطريقة تعامل مع الإنسان.
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو التعميم اللافت الذي أصدره المدير العام للأمن العام، اللواء حسن شقير، والذي يؤكد من خلال نهجه الهادئ والفعّال أن خدمة الوطن لا تحتاج إلى ضجيج، بل إلى مسؤولية وحضور ومتابعة.
فقد وجّه عناصر الأمن العام في مطار بيروت وسائر المعابر الحدودية إلى استقبال القادمين إلى لبنان بابتسامة، والعمل على تسهيل إجراءات العبور وتسريع إنجاز المعاملات، ولا سيما لكبار السن والأطفال والعائلات.
قد تبدو هذه التوجيهات بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في دلالاتها، لأنها تعكس حرصاً على أن تكون صورة الأمن العام صورة الدولة الحازمة في تطبيق القانون، والإنسانية في التعامل مع الناس.
وقد يراها البعض مجرد توجيهات إدارية عابرة، لكنني أراها أبعد من ذلك بكثير.
إنها رسالة إلى كل من تطأ قدماه أرض لبنان، لبنانياً كان أم ضيفاً، بأن خلف الزي الرسمي والمظهر العسكري إنساناً يعرف معنى الإنسانية، ويدرك أن حسن المعاملة قد يكون أول ما يحتاج إليه القادم إلى هذا الوطن.
فالقادم إلى لبنان قد يكون لبنانياً مغترباً يعود إلى وطنه بعد سنوات من الغياب، أو عائداً يحمل في حقيبته شوقاً طويلاً إلى الأهل والبيت، أو سائحاً يزور لبنان للمرة الأولى. وقد يكون شخصاً أنهكته رحلة طويلة، أو عائلة وصلت بعد ساعات من السفر برفقة أطفالها، أو مسناً لم يعد قادراً على تحمّل الانتظار والمشقة كما في السابق.
وفي لحظة الوصول، يصبح أول وجه يلتقيه القادم، وأول كلمة يسمعها، وأسلوب التعامل معه، جزءاً من الصورة التي تتكوّن في ذهنه عن لبنان. ومن هنا، تصبح الابتسامة أكثر من مجرد ابتسامة؛ تصبح جزءاً من صورة الوطن.
واللافت في التعميم أنه لم يكتفِ بالدعوة إلى تسهيل الإجراءات، بل خصّ كبار السن والأطفال والعائلات بعناية واضحة. وهذه، في رأيي، هي النقطة الأكثر إنسانية في الأمر.
فأن يتذكّر المسؤول أن وراء كل معاملة إنساناً، وأن وراء كل جواز سفر قصة، وأن لكل شخص ظروفه وقدرته المختلفة على الانتظار والتحمّل، يعني أن الإدارة لا تتعامل مع الناس كأرقام في طوابير، بل تراهم بشراً لهم أعمار ومشاعر واحتياجات.
وهنا تحديداً تظهر قيمة المسؤولية.
فالمؤسسة الأمنية لا تُقاس فقط بقدرتها على فرض النظام وتطبيق القانون وحماية الحدود، بل تُقاس أيضاً بالطريقة التي تمارس بها هذه المسؤوليات.
القانون لا يحتاج إلى القسوة كي يكون قوياً، والهيبة لا تحتاج إلى العبوس كي تكون حاضرة.
يمكن لرجل الأمن أن يكون حازماً من دون أن يكون قاسياً، وأن يطبّق القانون ويحافظ على النظام من دون أن يفقد حسّه الإنساني.
بل إن الصورة الأرقى لرجل الأمن هي أن يجمع بين الثبات والانضباط من جهة، والاحترام والإنسانية من جهة أخرى؛ أن يقف بثبات وهيبة، لكنه يعرف متى يبتسم، ومتى يمدّ يد المساعدة، ومتى يقدّر ظروف إنسان يقف أمامه.
وهذه الثقافة لا ينبغي أن تبقى محصورة في المعابر والمطار ومراكز الأمن العام، بل يجب أن تنعكس في مختلف مؤسسات الدولة، حيث تتقاطع يومياً هموم المواطنين وأصحاب الحاجات.
ويبرز هذا النهج أيضاً في مبنى العلاقات العامة، حيث تتحول العلاقة مع المواطنين إلى تواصل إنساني يقوم على الإصغاء إلى حاجاتهم ومساعدتهم ضمن الأصول.
ويجسّد نائب مدير الأمن العام، العميد رمزي الرامي، هذا النهج من خلال سياسة الباب المفتوح وقربه من المراجعين، والاستماع إلى قضاياهم والعمل على مساعدتهم ضمن القانون، بروح منفتحة وابتسامة تعكس صورة أكثر إنسانية للإدارة.
وفي لبنان اليوم، نحن بأمسّ الحاجة إلى ترسيخ هذه الثقافة.
نحن بحاجة إلى أن نستعيد فكرة أن الدولة ليست فقط قوانين ومؤسسات ومكاتب ومعاملات، بل هي أيضاً طريقة تعامل، ونبرة صوت، واحترام للناس، وشعور بالمسؤولية تجاه كل من يقصد مؤسساتها أو يعبر حدودها.
فالإنسان يجب أن يبقى في قلب العمل العام.
قد ينسى المسافر بعد أيام اسم العنصر الذي دقّق في جواز سفره، وقد لا يتذكر تفاصيل الإجراءات التي مرّ بها، لكنه سيتذكر بالتأكيد وجهاً ابتسم له، أو عنصراً بادر إلى مساعدته، أو شخصاً رأى تعب والديه فسهّل مرورهما، أو عائلة وجدت من يراعي وجود أطفالها. هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تبقى.
ولأن الأمن العام إحدى واجهات الدولة اللبنانية، فإن ما يحدث في المطار وعلى المعابر الحدودية ليس شأناً إدارياً محضاً، بل هو صورة لبنان أمام اللبنانيين والعرب والأجانب.
وحين تكون هذه الصورة قائمة على الاحترام واللطف والنظام في آنٍ واحد، فإننا لا نكون أمام مجرد خدمة أفضل، بل أمام ممارسة فعلية لحضارة الدولة.
إن بناء صورة الدولة لا يبدأ دائماً من القرارات الكبرى، بل قد يبدأ من ابتسامة، ومن كلمة طيبة، ومن مساعدة لمسّن، ومن تسهيل لعائلة، ومن احترام لطفل لا يعرف من كل هذه الإجراءات سوى أنه متعب ويريد الوصول.
هكذا تُبنى الثقة بين الناس والدولة، وهكذا تصبح المؤسسة الأمنية، إلى جانب دورها في حماية الوطن، جزءاً من الصورة التي نريدها لهذا الوطن.
لبنان الذي نريده ليس لبنان الذي يغلق أبوابه باسم الإجراءات، بل لبنان الذي يعرف كيف يكون قوياً ومحترماً وإنسانياً في الوقت نفسه.
ولذلك، قد يبدو تعميم يدعو إلى الابتسام أمراً صغيراً على الورق، لكنه كبير في معناه. لأن بعض الرسائل لا تحتاج إلى الكثير من الكلمات؛ يكفي أن تكون على وجه رجل أمن يقف عند بوابة الوطن.
فالهيبة ليست أن تجعل الناس يخافون منك؛ الهيبة الحقيقية أن تحترمهم، فيحترموك.
وحين تكون الهيبة ابتسامة، تكون الدولة أقرب إلى الناس… ويكون الوطن أكثر دفئاً.
دافيد عيسى