كتبت ريتا شمعون
يؤدي إقفال المضائق البحرية الرئيسية كمضيق هرمز، وجزئيا كباب المندب بسبب الحروب الإقليمية الى توقف 20% من إمدادات النفط العالمية، مما يرفع أسعار الطاقة بحدة ويخلق صدمة تموينية قاسية تعرقل حركة بواخر المحروقات وتضاعف كلفة الشحن والتامين على بلد مثل لبنان يعتمد كليا على الاستيراد.
عندما ترتفع أسعار المشتقات المكررة عالميا، تتأثر أسعار المحروقات في لبنان، وتسجل زيادات كبيرة طالت مادتي البنزين والمازوت، وتؤدي الى تفاقم الأزمة المعيشية متمثلاً في زيادة تكاليف النقل، ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية، وضغط غير مسبوق على ميزانيات العائلات، فضلا عن تراجع استهلاك البنزين بشكل ملحوظ بعد الارتفاع الكبير في الأسعار.
أسئلة مشروعة في حدها الأدنى، لماذا لا تتراجع أسعار المحروقات بسرعة مع تراجع أسعار النفط العالمية؟
ما هي العوامل التي تتحكم بأسعار البنزين والمازوت والغاز في لبنان؟ وهل نحن قادمون على مرحلة ضغط وارتفاع الأسعار؟ وما هي أسباب أزمة شحّ المازوت؟
في هذا الإطار، يجيب نقيب أصحاب محطات المحروقات في لبنان جورج البراكس على الأسئلة والهواجس الشعبية والاقتصادية التي تطرح اليوم حول حقيقة توفر المواد، وانعكاس الارتفاع المستمر للمشتقات النفطية، ومخاوف عودة الطوابير. البراكس، يشرح في حديث خاص لجريدة «الشرق» قائلاً: أدى التعطيل المستمر لمضيق هرمز الذي يمر عبره خمس التجارة العالمية أي 20% من إمدادات الطاقة العالمية الى انخفاض تدفقات النفط والغاز المسال من منطقة الخليج، وارتفاع الأسعار، وقد انعكس هذا التراجع في الكميات المصدرة صعوداً مباشراً على تكلفة المحروقات محليا وعالميا. وأضاف، أدّت الهجمات الأوكرانية المستمرة بالطائرات المسيرة على مصافي تكرير النفط في العمق الروسي التي يصعب إصلاحها سريعا الى تفاقم أزمة المحروقات المكررة، مما تسبب في نقص حاد للوقود، حيث شهدت بعض المناطق في روسيا ظهور طوابير طويلة في محطات التزود بالوقود ، مضيفا: أمام هذا الواقع، قررت روسيا تمديد حظر تصدير مادتي البنزين والمازوت حتى نهاية العام 2026، وقد أدى حظر تصدير المحروقات الروسية وتوقف التحميل في موانىء البحر الأسود الى شح إمدادات الوقود لا سيما مادة المازوت في الأسواق الدولية والبحر المتوسط. ماذا عن لبنان، يشير البراكس، الى أن البيانات الرسمية لتجمع شركات المستوردة للنفط في لبنان تؤكد استمرار استيراد المشتقات النفطية وتفريغ البواخر بشكل طبيعي، موضحا، أن لبنان يستورد المشتقات النفطية والوقود من دول حوض البحر المتوسط وجنوب أوروبا، وابرزها إيطاليا واليونان الى جانب بلدان أخرى مثل تركيا، آملاً من الشركات المستوردة توزيع المحروقات بشكل عادل ومنتظم لتفادي أي أزمات، واعتماد الشفافية من خلال تحديد حصص واضحة ومبنية على حاجة البلد. ويتابع، لطالما الملاحة البحرية آمنة ومفتوحة، والمرافىء الرئيسية مثل مرفأ بيروت ومرفأ طرابلس تعمل بشكل طبيعي وتصل شحنات البنزين والمازوت بانتظام أسبوعيا وفق برامج مسبقة لا توجد ازمة محروقات، بالتالي لا توجد أزمة مازوت. ويلفت البراكس، الى أن معدل الاستهلاك اليومي في لبنان من المازوت يبلغ نحو 10 ملايين ليتر، فيما يضخ في الأسواق ما بين 12 و13 مليون ليتر أي بزيادة تقارب 25% عن حاجة السوق.
وردا على سؤال، يؤكد البراكس، عدم وجود أي أزمة انقطاع في مادة المازوت في لبنان بسبب نقص الكميات المتوفرة، بل أن أزمة المازوت «المفتعلة» تنتج عن احتكار بعض التجار وسعيهم للبيع في السوق السوداء، إذ يعمد بعض التجار والشركات الى تقنين طرح الكميات أو اخفائها لبيعها لاحقا بأسعار أعلى في السوق السوداء. وأكد البراكس أيضاً، أن أزمة احتكار المازوت وسوء توزيعه في لبنان تسببت بخسائر كارثية للمزارعين، حيث يعتمد المزارعون على المازوت بشكل أساسي لتشغيل الآبار الجوفية، والآليات الزراعية، ولأصحاب المولدات في ظل انقطاع كهرباء الدولة، حيث يجبر أصحاب المولدات على شراء الوقود أحيانا بأسعار السوق السوداء المرتفعة. ويقول، أن أسعار المحروقات العالمية تتأثر بشكل مباشر بحركة الملاحة في مضيق هرمز وتحديدا عبر انخفاض الإمدادات، وارتفاع الأسعار، عند التوتر أو التوقف، واستقرارها مع عودة التدفقات، وقد استقر خام برنت قرب 70 الى 80 دولاراً للبرميل من حوالى الأسبوعين مع انحسار المخاوف ليعود ويرتفع ويشهد تقلبات بعد موجات صعود وهبوط مرتبطة بالهدوء المؤقت أو الضربات الميدانية المتبادلة، مضيفا: مما لا شكّ فيه ، أن تقلبات الأسعار تنعكس على الفاتورة العالمية سريعا وعلى الأسواق المحلية وتكاليف النقل في مختلف الدول بما فيها أسعار المحروقات في لبنان. ويرى البراكس، أن إغلاق مضيق هرمز ومضيق باب المندب معا يفاقمان الأزمة العالمية عبر قطع التجارة الدولية، ورفع تكاليف شحن البضائع، أتمنى عدم حدوث هذا الأمر، مشددا على ضرورة استئناف المفاوضات بين ايران وأميركا وحلّ التباينات العميقة حول إدارة مضيق هرمز وخدماته البحرية، لافتا الى ان انخفاض التوتر بين أميركا وايران يهدىء الأسواق ويخفض أسعار النفط عالميا، مما يؤدي مباشرة الى تراجع أسعار المحروقات في لبنان. البراكس، قلّل من أهمية ما حدث ليوم الأحد في 26 تموز 2026 حيث شهدت بعض المناطق طوابير طويلة أمام محطات الوقود موضحا: كان مجرد ضغط مؤقت وطبيعي ناتج عن تأخير تقني في تفريغ إحدى البواخر، وهو أمر روتيني قد يحصل في أي يوم من السنة دون أن يعني وجود أزمة حقيقية، مما دفع بعض المحطات لنفاد مخزونهم المؤقت، والعمل عاد الى طبيعته فور التفريغ، متوقفا عند وسائل التواصل الاجتماعي التي لعبت دوراً في تفاقم الحدث من خلال نشر صور للطوابير الطويلة مما ضاعف من شعور الأزمة ودفع الناس للتوافد بأعداد هائلة الى المحطات. مطمئناً أنه لا توجد أزمة محروقات حقيقية في لبنان وما حصل هو مجرد تأخير بسيط في وصول يعض بواخر المحروقات الى الموانىء. بالمناسبة جدّد البراكس، استنكاره للاعتداء المسلح التي تعرضت لها إحدى محطات المحروقات في بلدة بحنين لافتا الى ان تكرار هذه الاعتداءات على قطاع المحروقات يشكل خطراً حقيقيا ومباشراً على امن العاملين وأصحاب العمل.
ورداً على سؤال، يؤكد أن التراجع في أسعار المحروقات لا يتطابق دائما وبنفس السرعة مع انخفاض النفط الخام، مشيرا الى ان أسعار المحروقات تخضع لقوى العرض والطلب وحجم الكميات في الأسواق، إضافة الى تكاليف التكرير، والضرائب المحلية التي لا تتغير بتغير أسعار البورصة، خصوصا ان بعض الشركات ربما تبيع مخزون اشترته بأسعار مرتفعة، مضيفاً: أن أسعار المحروقات في لبنان لا ترتبط بسعر برميل النفط الخام العالمي بشكل مباشر، فيعتمد لبنان في تسعيرته على أسعار المواد المستوردة المكررة جاهزة وتصدر جداول دورية لتحديد سعر كل مادة على حدة، موضحاً، أن أسعار المشتقات النفطية تخضع لبورصة Global Platts العالمية وخصوصا أسعار حوض البحر المتوسط ( البنزين، والمازوت والغاز) حيث يشكل السعر المستند الى Platts النسبة الأكبر من ثمن البضاعة الأساسي قبل إضافة الرسوم والضرائب وأجور النقل.
وعن المعدل الزمني للأسعار، يقول البراكس، أن الجدول المحلي يعتمد على احتساب معدل أسعار «Platts» لعدة أيام سابقة ( أو نحو أسبوعين) وليس على السعر اليومي الفوري للبرميل، لافتا الى ان هناك عناصر أخرى تتدخل في المعادلة المحلية مثل تكاليف النقل، رسوم التأمين، مخاطر الشحن، والضرائب الثابتة التي تشكل نسبة كبيرة من السعر بالإضافة الى ضريبة الحرب أو « ضريبة حرب» خاصة بالمازوت.