المحامي أسامة العرب
من الحقوق الراسخة للأجيال المعاصرة، وفي مقدمتها الشباب، أن تطّلع على تاريخ أمتها ومسار وطنها بأقصى درجات الأمانة والمصداقية، بعيداً عن التزييف الذي تُمارسه أقلام الأهواء أو رواياتُ الغلبة السياسية. وتكتسب هذه المطالبة، في ذكرى ثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952 الرابعة والسبعين، دلالة خاصة، ذلك أن مصر، في تلك اللحظة التاريخية الفارقة، لم تكن تعيش أزمة حكم عابرة، بل كانت تختزن في بنيتها الاجتماعية والسياسية تراكماً من الاحتقان أفضى، عند بلوغه ذروته، إلى تحوّل جذري لم تقتصر تداعياته على الجغرافيا المصرية، بل امتدت لتعيد تشكيل ملامح الوعي القومي العربي، بل وموازين الصراع في المجال الاستعماري الأوسع الممتد عبر آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
ولفهم الطبيعة البنيوية لثورة يوليو، يقتضي المنهج التاريخي عدم الاكتفاء بوصف اللحظة الثورية بذاتها، بل استقصاء الشروط الموضوعية التي أنتجتها. فقد كانت مصر في مطلع الخمسينيات مسرحاً لتقاطع ثلاثة أزمات متداخلة: أزمة شرعية سياسية، مثّلها نظام ملكي فقد الحد الأدنى من السند الشعبي؛ وأزمة اقتصادية بنيوية، تجلّت في هيمنة الملكية الزراعية الكبرى وارتباط رأس المال المحلي بالمصالح الأجنبية؛ وأزمة وطنية سيادية، تمثّلت في استمرار الوجود العسكري البريطاني رغم معاهدة 1936. وقد جاءت نكبة فلسطين عام 1948 لتُسقط الغطاء عن هشاشة الأنظمة العربية القائمة، إذ كشفت فضيحة الأسلحة الفاسدة عن حجم الفساد المتغلغل في مؤسسات الدولة، فتحوّلت الهزيمة العسكرية إلى صدمة تأسيسية غذّت وعي الضباط الشباب بضرورة التغيير الجذري.
من هنا، فإن ثورة يوليو لا تُفهم بوصفها انقلاباً عسكرياً في صيغته الضيقة، بل بوصفها لحظة التقاء بين تنظيم عسكري نخبوي (تنظيم الضباط الأحرار) وحالة احتقان جماهيري عام، الأمر الذي مكّنها من تجاوز حدود التغيير الفوقي إلى إحداث تحوّل اجتماعي شامل طال البنية الطبقية والاقتصادية للدولة المصرية.
كما يكمن أحد أهم عناصر التفرّد في التجربة الناصرية في الانتقال السريع من حركة تصحيحية محدودة الأهداف إلى مشروع نهضوي عابر للحدود القُطرية. فقد جرى تبنّي خطاب قومي عروبي جامع، تجسّد في مقولة عبد الناصر الشهيرة حول وحدة الدين واللغة والأرض والمصير، وهو خطاب لم يكن مجرد أداة تعبئة سياسية، بل عبّر عن قراءة تاريخية لواقع التجزئة التي أحدثتها اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى، ولا سيما اتفاقية سايكس-بيكو.
وقد ترجم هذا المشروع نفسه على ثلاثة مستويات متكاملة: مستوى بنيوي داخلي، تمثّل في الإصلاح الزراعي وتأميم قناة السويس وبناء قاعدة صناعية وطنية والسد العالي؛ ومستوى إقليمي، تجلّى في الوحدة مع سورية عام 1958 ودعم حركات التحرّر في الجزائر واليمن وعُمان؛ ومستوى دولي، تمثّل في الانخراط في حركة عدم الانحياز إلى جانب الهند ويوغسلافيا وإندونيسيا، وهو ما يستدعي التذكير بمؤتمر باندونغ عام 1955 بوصفه لحظة تأسيسية موازية لمسار التحرّر العربي، ربطت قضية مصر والعرب بقضايا الجنوب العالمي في مواجهة الاستعمار الكلاسيكي والحرب الباردة معاً.
لا يكتمل تقييم الأثر التاريخي لثورة يوليو دون التوقف عند العدوان الثلاثي عام 1956، الذي لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل شكّل نقطة تحوّل في بنية النظام الدولي ذاته. فقد كشف الموقف الأمريكي، الرافض للعدوان لاعتبارات تتعلّق بموازين الحرب الباردة أكثر منها بمبادئ مناهضة الاستعمار، عن أفول الدور الإمبراطوري البريطاني-الفرنسي التقليدي لصالح قطبية دولية جديدة، وهو ما يمنح الحدث بعداً يتجاوز السردية القومية المصرية الخالصة إلى سردية أوسع في تاريخ تفكك الاستعمار العالمي.
إن أي معالجة أكاديمية رصينة لهذا الملف لا يجوز أن تتجاهل أن إرث يوليو، شأنه شأن كل تجربة ثورية كبرى، محل جدل تأويلي متعدد الاتجاهات في الأدبيات التاريخية والسياسية. فثمة من يُبرز في المقابل إشكاليات جوهرية طُرحت في قراءات نقدية لاحقة، منها: طبيعة النظام السياسي الذي أفرزته الثورة وما اتّسم به من غياب التعددية الحزبية وتقييد الحريات العامة؛ وتداعيات هزيمة 1967 بوصفها كاشفاً لأوجه قصور في البناء المؤسسي والعسكري للدولة الناصرية؛ فضلاً عن نقاشات مستمرة حول جدوى السياسات الاقتصادية التأميمية على المدى الطويل. وإدراج هذه الإشكاليات لا يُقصد به التقليل من الحدث التأسيسي، بل الإقرار بأن الكتابة التاريخية الرصينة تقتضي تعدد زوايا النظر، وأن التوثيق الأمين لا يتناقض مع النقد، بل يستكمله.
وبعد أربعة وسبعين عاماً، يظل السؤال الأجدى ليس “هل كانت يوليو صواباً مطلقاً؟”، بل “ماذا تبقّى من أسئلتها الكبرى: السيادة الوطنية، والتكامل العربي، والعدالة الاجتماعية؟” فهذه الأسئلة لم تفقد راهنيتها في زمن تتجدد فيه مشاريع التبعية وتتعثر فيه مسارات التكامل الإقليمي. واستعادة هذه الذاكرة، بمنهج نقدي لا تمجيدي، هي الشرط الضروري لأي قراءة معاصرة تسعى إلى ربط الماضي بأسئلة الحاضر، لا إلى تجميده في صورة نمطية واحدة.
المحامي أسامة العرب