تحالفات الشرق الأوسط الجديد: من يجعلني أقوى؟

سحر ناصر

عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن سعادته البالغة بتوقيع اتفاقية مكة، معتبرًا أنها «تُظهر كيف ستتمكن الدول أخيرًا من الدفاع عن نفسها بفعالية أكبر». وفي هذا التصريح مدخل مهم لفهم ملامح النظام الإقليمي الناشئ، الذي لن تنطلق فيه الدولة من سؤال: من يُشبهني؟ بل: من يجعلني أقوى؟. وفي هذا التحوّل يمكن قراءة تفوّق جزئي للمدرسة البراغماتية الأميركية في السياسة الخارجية العربية، بل في إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد. فالمنطقة التي نشأت فيها التحالفات، تاريخيًا، إلى حد كبير على أساس الروابط القومية، أصبحت أكثر استعدادًا لتجاوز حدود الهوية. تقليديًا، اتسم الشرق الأوسط بهويات سياسية تتحرك ضمن دوائر متداخلة: خليجية، عربية، وإسلامية، ثم شبكة من العلاقات الدولية خارج هذه الدوائر. وقد تحوّلت الهوية السياسية العربية إلى تحالفات إقليمية ومشروعات سياسية. فجامعة الدول العربية التي تأسست عام 1945 استندت إلى مفهوم الرابطة العربية، ثم جاءت معاهدة الدفاع المشترك لتنتقل بمستوى هذه الرابطة إلى مفهوم الأمن الجماعي. ثم بلغ منطق الهوية ذروته مع الجمهورية العربية المتحدة بين مصر وسوريا (أعوام 1958-1961) وتجاوزت القومية العربية فكرة التحالف إلى دمج دولتين في كيان سياسي واحد، بالتوازي مع تجارب أخرى مثل: الاتحاد العربي الهاشمي بين العراق والأردن عام 1958. والقيادة العربية الموحدة عام 1964 في مواجهة إسرائيل، والقيادة السياسية الموحدة المصرية العراقية عام 1964 والتحالفات العسكرية العربية في حربي 1967، ومن ثم مجلس التعاون الخليجي عام 1981، ومجلس التعاون العربي عام 1989، واتحاد المغرب العربي عام 1989. أما اليوم، تتضح بوصلة الشرق الأوسط الجديد الذي تنكمش فيه الهوية في إنتاج التحالفات الاستراتيجية، ويتشكل فيه نظام من الشبكات المتقاطعة تتحرك فيه الدولة داخل أكثر من دائرة في الوقت نفسه وتتقاطع داخله الهويات مع شبكات المصالح والأمن والطاقة والتكنولوجيا والقوة العسكرية. ربما يُقدم الخليج أوضح مثال على ذلك، فدول الخليج العربي التي تشترك في اللغة والدين والتاريخ والأنظمة السياسية المتقاربة، والانصهار الاجتماعي والثقافي، وتواجه اليوم أخطر التحولات الأمنية في محيطها عجزت عن تحويل هويتها الخليجية إلى قوة عسكرية في «ناتو خليجي» وانطلقت في البحث عن القوة ضمن دوائر مختلفة. فالإمارات بنت منذ اتفاقات أبراهام هويتها الاستراتيجية حول التجارة والتكنولوجيا والموانئ والربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا. أما السعودية التي اتجهت في مسار مختلف نحو تركيا وباكستان، فقد استندت إلى الدائرة الإسلامية للانطلاق من موقعها كقوة في مجموعة العشرين ولاعب مركزي في أسواق الطاقة العالمية. وتركيا، التي تتفاخر بقوميتها ارتكزت في اتفاقية مكة على عضويتها في حلف شمال الأطلسي وامتداداتها في آسيا الوسطى والبلقان والقوقاز. وباكستان، الدولة الإسلامية ارتكزت على قوتها النووية. وهنا يمكن فهم أهمية الشراكة بين الهند وإسرائيل أيضًا. ففي حين ترتبط الهند بشراكات اقتصادية واسعة مع دول الخليج، إلا أنها ارتبطت مع حكومة إسرائيل باتفاقيات في مجالات: الدفاع والتكنولوجيا، والأمن السيبراني، والابتكار، والتجارة.

في الشرق الأوسط الجديد لن تكون الهوية المعيار الذي يُحدد موقع الدولة أو شركائها أو خصومها. إلا مؤشر على ذلك.