بقلم محمد قواص
«أساس ميديا»
يوحي التزامن الزمنيّ بين تصعيد إدارة الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب لضغوطها على أوكرانيا وزيارة وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف لإيران بوجود صفقة غير معلنة بين واشنطن وموسكو تقوم على ممارسة الأولى ضغوطاً على كييف لإنهاء الحرب أو تجميدها، مقابل ضغوط روسيّة مزعومة على طهران. غير أنّ أمر تلك المقايضة انتهى إلى فضيحة غير مفاجئة.
إثر “صفقة الديزل” التي أعلنها ترامب بعد اتّصال مع نظيره الروسيّ فلاديمير بوتين في التاسع من هذا الشهر، تصاعدت ضغوط ترامب فجأة، وبجلافة ومن خارج أيّ سياق، على كييف. ذهب إلى حدّ استنتاج حاجة أوكرانيا إلى رئيس جديد. أثار الأمر غضب الرئيس الأوكرانيّ فولوديمير زيلنسكي الذي ردّ بأنّ تغيير الرئيس هو شأن أوكرانيّ، ثمّ انتقى كلماته بعد ذلك بعناية حتّى لا تثقل تدهوراً جديداً في العلاقة مع واشنطن.
تناسل من ضغوط ترامب تباطؤ لئيم لسرعة أنظمة ستارشيلد (النسخة العسكريّة من ستارلينك التابعة لشركة سبيس إكس) فوق الأراضي الأوكرانيّة. قالت الإدارة إنّ ترامب لا شأن له بقرار تتّخذه شركة خاصّة تابعة لإيلون ماسك. ردّ الأخير: “أمر كهذا يقرّره الجيش الأميركيّ”.
ضغط واشنطن يُليّن كييف
عرقل العبث “بستارشيلد” عمل الطائرات المسيّرة الاعتراضيّة وأنظمة الدفاع الجوّيّ والاتّصالات الميدانيّة، ما أضعف قدرة أوكرانيا على التصدّي للهجمات الروسيّة التي استهدفت بنيتها التحتيّة. كذلك علّقت الولايات المتّحدة لعدّة أيّام تبادل المعلومات الاستخباراتيّة المتعلّقة بإطلاق الصواريخ البالستيّة، الأمر الذي جعل المدن الأوكرانيّة أكثر عرضة للضربات. في موازاة ذلك، أبرم ترامب صفقة لشراء كميّات كبيرة من الديزل الروسيّ، وتراجع عن عقوبات جديدة كانت على وشك دخول حيّز التنفيذ. وأعلن في منتصف الشهر الجاري وقفاً لإطلاق نار يشمل البنى التحتيّة للطاقة، قبل أن يُطالب كييف بالالتزام به، رغم استمرار الضربات الروسيّة.
اعترض زيلنسكي على هذه الضغوط ورفض اعتبارها مسائل فنّيّة أو عارضة أو سوء تفاهم هامشيّاً بين ماسك والبيت الأبيض. تحدّث عن إحساس بالخيانة وحذّر من أنّ الولايات المتّحدة تخاطر بارتكاب “خطأ تاريخيّ” إذا انحازت إلى روسيا. لكنّه، تحت وطأة الضغط المتصاعد، غيّر لهجة خطابه.سعى رجل كييف، وربّما بنصيحة أوروبيّة، إلى تمرير العاصفة. في 18 من الشهر الجاري طالب بأن تنتهي الحرب، ثمّ أقرّ بعد أيّام من خلال شبكة فوكس نيوز المقرّبة من ترامب أنّه “يجب إيقاف الحرب كما يقول الرئيس ترامب”. أكّد زيلنسكي استعداده لقبول تجميد خطوط المواجهة الحاليّة كخطوة أولى، وتوجّه إلى ترامب والأوروبيّين لطلب ضمانات أمنيّة. وحرص على إنجاح تواصله مع مبعوثي ترامب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر. أظهر هذا التحوّل أنّ الضغوط الأميركيّة نجحت في دفع زيلنسكي إلى الحديث العلنيّ عن ضرورة “الإنهاء والتجميد”. لكن ماذا فعل الروس بالمقابل مع إيران؟
لافروف في طهران: إنذار بلا أنياب
عشيّة زيارة لافروف لطهران في 19 تشرين الأوّل، وهي زيارته الأولى منذ اندلاع التصعيد في شباط الماضي، تدافع المحلّلون، ومنهم العرب وما أكثرهم، إلى الإعلان بثقة العارفين أنّ لافروف ليس وسيطاً، ولا وقت عند روسيا للوساطات. اعتبروا أنّها زيارة حسم وحزم وتحذير وإنذار، وبعضهم قال “الأخير”، قبل الحرب الكبرى. ذهب الأكثر “فطنة” منهم إلى اعتبار أنّ زيارة لافروف شبيهة بالزيارة الشهيرة ليفغيني بريماكوف، مبعوثاً من موسكو إلى بغداد، قبل عقود، في أيّام الرئيس الراحل صدّام حسين.
فيما كان المراقبون ينتظرون مفاعيل ضغوط موسكو وإنذارها المزعوم، خرجت من طهران البيانات “البشوشة” تؤكّد “استمرار الشراكة الاستراتيجيّة” التي دخلت حيّز التنفيذ مطلع الشهر الجاري، والتي تؤكّد بحث التعاون في مجالات الطاقة والنقل والنوويّ، والإعلان عن عودة تدريجيّة للخبراء الروس إلى محطّة بوشهر بعد مغادرتهم خلال الحرب. وصف لافروف قضيّة إيران بأنّها “قضيّة عادلة” مشابهة لقضيّة روسيا، داعياً إلى إعادة الوضع في مضيق هرمز إلى ما قبل التصعيد، رافضاً “الأعمال الأحاديّة”. من جهته، أثنى وزير الخارجيّة الإيرانيّ عبّاس عراقجي على الزيارة (الإنذار) ووصفها بالمثمرة، وراح يصدح بموّال اعتبر فيه أنّ “إيران وروسيا لم تعملا معاً بهذا القدر من القرب في تاريخهما”.
بدت ضغوط موسكو على طهران محدودة ودبلوماسيّة بطبيعتها. لا تملك روسيا القدرة على إلحاق ألم فوريّ ومباشر بإيران كما يفعل ترامب بأوكرانيا. تعتمد كييف على أنظمة أميركيّة حيويّة في الاتّصالات، والاستخبارات، والدعم العسكريّ، والماليّ. أمّا إيران فتحتفظ باستقلاليّة أكبر في قراراتها العسكريّة والإقليميّة، وتُعدّ روسيا شريكاً يحتاج إليها بقدر ما تحتاج هي إليه، خاصّة في ظلّ العقوبات والضغوط المشتركة. وفيما تأتي زيارة لافروف كجزء من مسرح صفقة مع واشنطن تسعى موسكو للزعم أنّها تلعب دورها. لكنّ وزير موسكو بدا “حنوناً” لا يملك ممارسة أيّ ضغط أو حتّى استخدام خُمس الأبجديّة التي استخدمها ترامب ضدّ زيلنسكي.
موسكو: ضجيج بلا فعل
لا تقارن هذه الزيارة بزيارات المبعوث الروسيّ يفغيني بريماكوف لبغداد قبل حربَي الخليج. تتحدّث الروايات التاريخيّة أنّ بريماكوف سافر موفداً من الرئيس الروسيّ ميخائيل غورباتشوف إلى بغداد في حزيران 1991، في اللحظات الأخيرة لمحاولة إقناع الرئيس الراحل صدّام حسين بالانسحاب من الكويت أو الاستقالة لتجنّب الغزو الأميركيّ البرّيّ. وفي آذار 2003 ذهب من جديد، موفداً من بوتين هذه المرّة، والتقى الرئيس العراقيّ آنذاك في أحد قصوره ونقل إليه رسالة شفويّة من بوتين: “إذا كنت تحبّ بلدك وشعبك وتريد تجنيبه الدماء، فعليك الاستقالة وترك الرئاسة”.
كان الرئيس الأميركيّ باراك أوباما قد رفض وصف منافسه الانتخابيّ ميت رومني بأنّ روسيا “أكبر خصم جيوسياسيّ لأميركا”. ردّ أوباما بقولته الشهيرة “روسيا قوّة إقليميّة تهدّد بعض جيرانها المباشرين، ليس من منطلق القوّة، بل من منطلق الضعف”.
لا شيء جديداً في مناورة موسكو قبل أيّام. هكذا هو وزن روسيا وسياساتها في المنطقة حتّى في زمن “أمجاد” الاتّحاد السوفيتيّ. عام 1982، في خضمّ الاجتياح الإسرائيليّ للبنان، خرج القياديّ الفلسطينيّ الراحل صلاح خلف (أبو إياد)، الذي اغتيل سنة 1991 في ضاحية قرطاج بتونس، بمقولته الشهيرة: “لو أرسلت موسكو باخرة قمح ترفع العلم السوفيتيّ لتغيّر شكل المعركة”. لم يحصل ذلك، والأرجح أنّ موسكو، حينها كما في هذه الأيّام، لا تريد أو لا تملك تغيير شكل المعركة.
محمد قواص