جوزاف عون في واشنطن:  عندما تتحول الفرصة الدولية إلى مسؤولية داخلية

لم تكن زيارة رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون إلى واشنطن مجرد محطة عابرة في مسار العلاقات اللبنانية–الأميركية، بل جاءت في لحظة سياسية دقيقة تفتح أمام لبنان نافذة فرصة حقيقية، وفي الوقت نفسه تضع الدولة أمام اختبار تاريخي يتعلق بقدرتها على استعادة دورها وتعزيز حضورها داخليًا وخارجيًا.

فاللقاء مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أتاح للرئيس عون عرض خصوصية النموذج اللبناني القائم على التعددية السياسية والطائفية والثقافية، وهي تعددية شكّلت عبر التاريخ مصدر غنى وانفتاح للبنان، لكنها تحولت في مراحل معينة إلى عنصر ضعف عندما استُخدمت لتعميق الانقسامات بدل تعزيز الشراكة الوطنية.

وفي هذا الإطار، لا تكمن الأولوية فقط في الاستفادة من الاهتمام الدولي بلبنان، بل في تحويل هذا الاهتمام إلى مسار عملي يعزز التوافق الداخلي، ويدعم مؤسسات الدولة، ويعيد تكريس حضورها كمرجعية أساسية لجميع اللبنانيين.

وقد اكتسبت زيارة الرئيس عون إلى البيت الأبيض أهمية خاصة، باعتبارها أول زيارة لرئيس لبناني إلى واشنطن منذ لقاء الرئيس السابق ميشال سليمان بالرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عام 2009.

وانعقد اللقاء في توقيت حساس تمر فيه المنطقة بمرحلة إعادة رسم للمشهدين الجيوسياسي والعسكري، وسط تصاعد التوترات الأمنية وتكثيف المساعي الدولية لاحتواء التصعيد وإرساء مقومات الاستقرار.

وفي هذا السياق، يكتسب لبنان أهمية خاصة باعتباره ساحة يمكن لاستقرارها أن يسهم في تعزيز أمن المنطقة والحد من تداعيات الأزمات القائمة.

وقد عكس الموقف الأميركي اهتمامًا واضحًا بلبنان، ولا سيما من خلال التأكيد على دعم الجيش اللبناني وتعزيز قدراته، باعتباره المؤسسة الوطنية الجامعة القادرة على حماية الحدود، وترسيخ سلطة الدولة، والحفاظ على الأمن والاستقرار.

كما تناولت المحادثات مسار «اتفاق الإطار» المتعلق بالوضع في الجنوب، بما يتضمنه من ترتيبات تهدف إلى تثبيت الاستقرار وتعزيز انتشار الجيش اللبناني، تمهيدًا لمرحلة تستعيد فيها الدولة دورها الكامل في إدارة شؤونها السيادية.

في المقابل، أكد الرئيس عون أن الهدف اللبناني الأساسي يتمثل في الوصول إلى استقرار دائم يحفظ سيادة لبنان، ويؤدي إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، بما يعيد للدولة حقها الطبيعي في حماية حدودها ومصالحها.

غير أن الاستقرار في الجنوب لا يمكن أن يتحقق عبر الترتيبات الأمنية وحدها، إذ إن أي معالجة جدية يجب أن تشمل الإنسان والمجتمع والمناطق التي عانت من آثار الحرب.

فإعادة إعمار المناطق المتضررة وتأمين عودة النازحين إلى مدنهم وقراهم ليست مجرد ملفات إنسانية، بل هي جزء أساسي من تثبيت الاستقرار، ومنع استمرار عوامل التوتر، وتعزيز ارتباط المواطنين بدولتهم.

فالجنوب، الذي دفع أثمانًا باهظة خلال سنوات الصراع، يحتاج إلى رؤية متكاملة تعيد إليه الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وتفتح أمام أبنائه آفاقًا جديدة.

ومن هنا، فإن أي تفاهم سياسي أو أمني مقبل يجب أن يترافق مع خطة واضحة لمرحلة ما بعد المواجهات، تشمل إعادة الإعمار، ودعم المجتمعات المحلية، وتعزيز حضور المؤسسات الرسمية، بما يضمن أن تكون الدولة المرجعية الأساسية لجميع اللبنانيين.

فالاستقرار الأمني، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يستمر من دون استقرار اقتصادي واجتماعي يعيد الثقة إلى المواطنين، ويفتح الباب أمام الاستثمارات وفرص العمل.

وفي هذا السياق، لا ينظر المجتمع الدولي إلى لبنان فقط من زاوية المساعدات أو معالجة الأزمات الطارئة، بل من خلال الحاجة إلى قيام مؤسسات قادرة على تحمل مسؤولياتها، واقتصاد قادر على التعافي، وقرار سياسي واضح يسمح للدولة بممارسة دورها الطبيعي.

وقد أشار رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أبدى اهتمامًا بالاستثمار في لبنان، مشيرًا إلى إمكانية عقد مؤتمر اقتصادي في الولايات المتحدة، بما قد يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

إلا أن نجاح أي انفتاح خارجي يبقى مرتبطًا بقدرة لبنان على تنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وتأمين بيئة سياسية مستقرة، وتعزيز الشفافية، وحماية الاستثمارات ضمن إطار قانوني واضح.

فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في الحصول على الدعم الدولي، بل في قدرة الدولة اللبنانية على تحويل هذا الدعم إلى مشروع وطني يعيد إطلاق الاقتصاد، ويعزز دور المؤسسات، ويمنح اللبنانيين الثقة بمستقبل بلدهم.

وقد أثبتت السنوات الماضية أن الأزمة اللبنانية ليست أزمة موارد وإمكانات فحسب، بل هي أزمة ثقة مرتبطة بضعف الإدارة، وتأخر الإصلاحات، والانقسامات السياسية التي عطلت قدرة الدولة على اتخاذ القرارات المطلوبة.

ومن هنا، يبقى القرار اللبناني الداخلي العامل الحاسم في نجاح أي مسار مقبل.

فمهما بلغت أهمية الدعم الخارجي، فإنه لا يستطيع أن يحل مكان الدولة اللبنانية، ولا يمكن لأي قوة دولية أن تبني دولة إذا لم تتوافر إرادة داخلية حقيقية لبنائها.

فالمجتمع الدولي يستطيع فتح الأبواب وتقديم المساندة، لكنه لا يستطيع اتخاذ القرار بدلًا من اللبنانيين.

وفي هذا الإطار، لم تحظَ زيارة واشنطن بإجماع سياسي كامل في الداخل اللبناني، إذ تتباين المواقف حولها وحول الملفات المرتبطة بها، ولا سيما «اتفاق الإطار» المتعلق بالجنوب.

فهناك من يرى أن هذا المسار قد يشكل فرصة لإنهاء مرحلة طويلة من المواجهات، والانتقال إلى مرحلة تستعيد فيها الدولة دورها الكامل في إدارة شؤونها السيادية، بينما يتحفظ آخرون على بعض جوانبه، خصوصًا لناحية طبيعة المسار التفاوضي وحدوده السياسية.

لكن جوهر النقاش يتجاوز تفاصيل أي اتفاق، ليصل إلى القضية الأساسية: هل يستطيع لبنان إعادة تكريس الدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة في القرارات السيادية؟

وفي هذا السياق، تبدو المرحلة المقبلة محطة مهمة لإعادة تعريف العلاقة بين القوى السياسية اللبنانية والدولة، في ظل تحولات إقليمية قد تفرض مقاربة جديدة لدور مختلف المكونات اللبنانية ومستقبل القرار الوطني.

ومن هنا يبرز السؤال المتعلق بالدور السياسي للبيئة الشيعية في المرحلة المقبلة: هل ستكون الساحة الشيعية إحدى ساحات الحراك السياسي الأساسية في لبنان، كما كانت الساحة المسيحية في مرحلة التوصل إلى اتفاق الطائف عام 1989، وكما لعبت الساحة السنية دورًا محوريًا في مرحلة المطالبة بخروج الجيش السوري بعد عام 2005؟

فالتاريخ السياسي اللبناني أظهر أن التحولات الكبرى غالبًا ما ارتبطت بحراك داخلي نشأ من إحدى البيئات السياسية الأساسية، قبل أن يتحول إلى مسار وطني أوسع.

غير أن أي تحول سياسي لا يكتسب قيمته الوطنية إلا عندما يتجاوز حدود البيئة التي انطلق منها، ويتحول إلى مشروع جامع يشمل جميع اللبنانيين. فالمطلوب ليس إعادة إنتاج انقسامات جديدة، بل إعادة صياغة علاقة جميع المكونات بالدولة على قاعدة الشراكة والاحترام المتبادل وسيادة المؤسسات.

كما أن نجاح زيارة واشنطن لن يُقاس فقط بحجم اللقاءات التي عقدت أو التصريحات التي صدرت خلالها، بل بقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ خطوات عملية: تعزيز الجيش، تثبيت الاستقرار في الجنوب، إعادة إعمار المناطق المتضررة، تأمين عودة النازحين، وإطلاق الإصلاحات الاقتصادية والإدارية الضرورية.

فالاختبار الحقيقي أمام لبنان ليس في الحصول على الدعم الدولي، بل في القدرة على استخدام هذا الدعم لبناء دولة قادرة على حماية مواطنيها، وصون سيادتها، واستعادة ثقة العالم بها.

وبين مراحل سابقة ارتبط فيها الحضور الأميركي في لبنان بإدارة الأزمات واحتوائها، والمرحلة الحالية التي تحمل فرصًا جديدة، تبدو المسؤولية اليوم أكبر: فلبنان أمام فرصة للانتقال من انتظار الحلول الخارجية إلى بناء مؤسساته واستعادة دوره.

لكن الدول لا تُبنى بالمساندة الخارجية وحدها.

فالعواصم الكبرى تستطيع فتح الأبواب وتقديم الدعم، لكنها لا تستطيع صناعة مستقبل الدول بدلًا عن شعوبها.

لقد أعادت زيارة واشنطن لبنان إلى صدارة الاهتمام الدولي، وفتحت أمامه نافذة سياسية قد لا تتكرر بسهولة. إلا أن تحويل هذه الفرصة إلى واقع يبقى مسؤولية اللبنانيين أنفسهم، عبر تجاوز الخلافات، وتقديم المصلحة الوطنية، والالتفاف حول مشروع دولة قوية وعادلة.

وفي النهاية، قد يمنح المجتمع الدولي لبنان فرصة، لكنه لا يستطيع أن يوحد اللبنانيين أو يبني دولتهم نيابة عنهم. فالدول تُبنى بإرادة شعوبها، وتُصان بوحدة مؤسساتها، ويُكتب مستقبلها عندما تتقدم المصلحة الوطنية على كل اعتبار.

وإذا كانت زيارة واشنطن قد فتحت نافذة أمل أمام لبنان، فإن تحويل هذا الأمل إلى إنجاز حقيقي يبقى مسؤولية لبنانية أولًا وأخيرًا.

دافيد عيسى