جوزاف عون… قراءة في ميزان الواقع /2

بقلم دافيد عيسى
سياسي لبناني
ومن هنا، لا بد من التوقف أيضًا عند بعض الملاحظات التي برزت حول تركيبة الوفود المرافقة لرئيس الجمهورية خلال زياراته الخارجية، إذ يقتصر الوفد أحيانًا على عدد من المقربين والمستشارين.
وهنا يبرز السؤال: هل يُقاس نجاح زيارة رئيس الجمهورية بحجم الوفد المرافق له أو بعدد أعضائه؟ وهل يحتاج اللبنانيون أصلًا إلى معرفة مسبقة بما سيطلبه الرئيس من الدول التي يزورها، في ظل وضوح الملفات والقضايا التي يحملها معه، وفي مقدّمها دعم لبنان ومؤسساته وتعزيز علاقاته الخارجية؟
فالزيارة هي في الأساس زيارة لرئيس الجمهورية، فيما تتمثل مهمة الوفد في مواكبة الزيارة وتسجيل ومتابعة الملفات والقضايا التي تُبحث خلالها، بما يضمن استمرارية العمل عليها بعد انتهاء الزيارة.
ومن هنا، فإن المعيار الأساسي لنجاح أي زيارة رئاسية لا ينبغي أن يكون حجم الوفد أو أسماء المشاركين فيه، وإنما النتائج التي تحققت خلالها، وما فتحته من قنوات للتواصل، وما أسهمت فيه من دعم لمعالجة الملفات المطروحة وتعزيز علاقات لبنان مع الدول التي يزورها رئيس الجمهورية.
كما يمكن النظر إلى محدودية عدد أعضاء الوفود من زاوية حرص رئيس الجمهورية على ترشيد الإنفاق العام والحد من كلفة السفر والإقامات، ولا سيما أن الرئيس هو الأدرى بحجم الأزمة المالية والاقتصادية الخانقة التي تمر بها البلاد، وما تفرضه من ضرورة التعامل مع المال العام بأقصى درجات المسؤولية والحرص.
والدول لا تُبنى بالعزلة، ولا تستطيع أن تنهض من دون شبكة علاقات خارجية متينة وظهير عربي ودولي يواكبها ويدعم استقرارها. ومن هذه الزاوية، لا يمكن تجاهل أن جوزاف عون أعاد فتح قنوات التواصل مع المحيطين العربي والدولي.
قد يختلف اللبنانيون حول حجم هذا الانفتاح ونتائجه الفعلية وجدواه السياسية، لكن ذلك لا يلغي أهمية ما تحقق في هذا المجال، ولا يبرر شطبه من الحساب.
في الختام، من أراد محاسبة جوزاف عون، فليكن ذلك استنادًا إلى الوقائع والحقائق، لأن إحقاق الحقيقة وإنصافها يجب ألا يكونا رهينة موقع الشخص أو انتمائه السياسي.
أما السؤال الذي ينبغي علينا جميعًا أن نطرحه، فهو: ماذا كان يتعيّن على رئيس الجمهورية أن يفعل ولم يفعله؟ وما الملفات التي كانت تقع ضمن صلاحياته ولم يعالجها؟ وما النتائج التي تحققت فعلًا، وما النتائج التي لم تتحقق؟ والأهم، ما الذي كان بإمكانه إنجازه ضمن صلاحياته ولم يُقدِم عليه؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تُطرح أمام اللبنانيين، بدل الاكتفاء بالانتقاد والنظر إلى الواقع من زاوية سلبية، وحصر النقاش في سؤال: «ماذا فعل الرئيس؟».
فهذا السؤال، على أهميته، يبقى ناقصًا ما لم يُطرح إلى جانبه سؤال أكثر شمولًا: في أي وضع كان لبنان عندما تسلّم جوزاف عون رئاسة الجمهورية؟ وما التحديات والأزمات التي كانت قائمة أمامه عند تولّيه المسؤولية؟
وفي المقابل، من الطبيعي، بل من حق اللبنانيين، أن يطرحوا تساؤلاتهم حول الأوضاع المعيشية على الحكومة، وأن يطالبوا الدولة باتخاذ إجراءات عملية وفعّالة لمعالجة الأزمات وإيجاد حلول ملموسة تنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين اليومية.
فالمطالبة بتحسين الظروف المعيشية ليست انتقادًا بحد ذاته، بل هي حق مشروع ومسؤولية تقع على عاتق الدولة ومؤسساتها.
لكن اختزال المرحلة بأكملها بالقول إن الرئيس «لم يفعل شيئًا» هو ظلم وتجنٍّ، ويعكس قراءة تفتقر إلى الموضوعية والإنصاف.
المطلوب هو قراءة هذه التجربة بكل ما لها وما عليها؛ بما تحقق خلالها وما بقي عالقًا، وبما كان يمكن إنجازه، في ضوء الظروف السياسية الصعبة التي أحاطت بالمرحلة، والواقع الإقليمي المضطرب، وموازين القوى الداخلية والتعقيدات السياسية التي شكّلت عوائق أمام تحقيق عدد من المشاريع والإنجازات.
فالحقيقة لا تخشى المحاسبة، والوقائع لا تحتاج إلى مزايدة.
دافيد عيسى