بقلم محمد السماك
«أساس ميديا»
من غزّة إلى أوكرانيا وإيران، تتكرّر معادلة واحدة في الحروب المعاصرة: تفوّق عسكريّ هائل، دمار واسع، وخسائر بشريّة واقتصاديّة هائلة، من دون أن يتحوّل ذلك بالضرورة إلى نصر سياسيّ قابل للاستمرار. إسرائيل دمّرت غزّة من دون أن تنجح في تحقيق أهدافها السياسيّة، وروسيا حقّقت مكاسب ميدانيّة كبيرة في أوكرانيا من دون أن تتمكّن من حسم مستقبلها السياسيّ، فيما لم يؤدِّ استهداف إيران إلى إسقاط نظامها أو تغيير عقيدتها وسلوكها.
ربّما المفارقة الأبرز أنّ الحروب التي غيّرت العالم فعلاً لم تكن نتائجها انتصارات عسكريّة وحسب، بل ارتبطت بانهيار أنظمة وإمبراطوريّات وولادة ترتيبات دوليّة جديدة. أمّا الحروب التي تستمرّ بلا هدف سياسيّ واضح فتتحوّل تدريجاً إلى استنزاف مفتوح قد ينتهي بانتصارات وهميّة لا تصنع سلاماً ولا تؤسّس نظاماً جديداً. من هنا يبرز السؤال الأهمّ: هل أصبحت الحرب في عالم اليوم عاجزة عن إنتاج الانتصار السياسيّ أم لم يعد الانتصار الحقيقيّ يُقاس بما يُدمَّر في ميادين القتال، بل بما يُبنى بعدها؟
الحروب لا تحسم الانتصار السّياسيّ
شنّت إسرائيل حرب إبادة على غزّة ودمّرتها عن بكرة أبيها، لكنّ تل أبيب لم تحقّق نصراً سياسيّاً. لذلك تدفع ثمن التدمير تضخّماً في اتّهامها بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانيّة في الشرق والغرب، بما في ذلك أوروبا والولايات المتّحدة الأميركيّة.
قبل ذلك شنّت روسيا حرباً على أوكرانيا، وتصاعدت الحرب إلى التهديد مراراً باللجوء إلى السلاح النوويّ، وتوسّعَ العداء ليشمل حلف شماليّ الأطلسيّ. حتّى الدول الإسكندينافيّة انضمّت إلى الحلف لأوّل مرّة على خلفيّة هذه الحرب، التي استدرجت دول “الناتو” مجتمعة إلى دعم أوكرانيا عسكريّاً وماليّاً وسياسيّاً. لكنّ الاتّحاد الروسيّ، على الرغم من تفوّقه العسكريّ، لم يستطع بعدُ أن يحوّل المكاسب الميدانيّة التي حقّقها في شرقيّ وفي شماليّ أوكرانيا إلى نصر سياسيّ. بعد ذلك شنّت الولايات المتّحدة مع إسرائيل، ثمّ منفردة، حرباً على إيران. أدّت الحرب إلى مقتل قادة النظام الدينيّ والسياسيّ والأمنيّ في ولاية الفقيه. وأدّت إلى تدمير البنية التحتيّة الإيرانيّة للصناعات العسكريّة والنوويّة. لكنّ ذلك كلّه لم يؤدِّ إلى تغيير أسس النظام وطبيعته أو فلسفته فيتكرّس انتصاراً سياسيّاً.
تدمير “الجسر الابراهيمي”
انتهت الحرب العالميّة الأولى بسقوط ثلاث إمبراطوريّات: الإمبراطوريّات العثمانيّة والروسيّة والنمساويّة – الهنغاريّة. وكان سقوطها مدخلاً إلى عالم جديد وإلى نظام عالميّ جديد. وانتهت الحرب العالميّة الثانية بسقوط ألمانيا النازيّة في الغرب وبسقوط اليابان الفاشيّة في الشرق، ثمّ قام نظام عالميّ جديد لا يزال مستمرّاً حتّى اليوم.. ولو أنّه في حالة ترنّح.
التغيير الواقعيّ في معادلة العلاقات الدوليّة لم تفرضه الحرب. فرضه خروج المارد الصينيّ من القمقم: قوّة نوويّة ذات ذراع صاروخيّة تمتدّ إلى ما وراء المحيط الهادئ، وليس إلى تايوان فقط. لم تطلق الصين صاروخاً واحداً على تايوان، لكنّها استطاعت أن تلوي ذراع الهيمنة العسكريّة الأميركيّة التي كانت تجعل من الجزيرة رأس جسر إلى قلب بكّين.
سقط الملايين من البشر في كلّ من الحربين العالميّتين الأولى والثانية، ثمّ في سلسلة الحروب المكمّلة لها في كوريا وفيتنام، وفي إفريقيا وأميركا الوسطى والجنوبيّة. وسقط الملايين أيضاً في حروب الشرق الأوسط منذ الأربعينيّات من القرن العشرين حتّى اليوم.
لا يوجد إحصاء لعدد ضحايا تلك الحروب. لكنّ النتيجة واحدة، وهي أنّها لم تحقّق السلام لأيّ طرف من الأطراف المتقاتلة. لذلك بقيت حروباً بلا انتصارات، وفي أحسن الأحوال ذات انتصارات وهميّة. والانتصار الوهميّ هو أسوأ أنواع الهزيمة.
على النقيض من ذلك، دمّر العدوان الإسرائيليّ على غزّة (ويدمّر الآن الضفّة الغربيّة) “الجسر الإبراهيميّ” الذي كانت إسرائيل تتطلّع إلى العبور من خلاله إلى العالم العربيّ، وصولاً إلى العالم الإسلاميّ. لم تحقّق الحرب الإسرائيليّة على غزّة هدفها بتخويف دول العالم العربيّ بأنّها قد تواجه مصيراً مماثلاً لمصير غزّة إذا تمرّدت على الشروط الإملائيّة لتسوية من دون دولة فلسطينيّة. ولم تؤدِّ الحرب الروسيّة على أوكرانيا (على الرغم من التفوّق العسكريّ والعدديّ والسياسيّ الروسيّ) إلى حمل الأخيرة على سحب طلب انضمامها إلى منظومة الدول الأوروبيّة وحلف شماليّ الأطلسيّ.
خسرت أوكرانيا شبه جزيرة القرم، وخسرت بعد ذلك كلّ الولايات في شرقيّها وفي شرقيّها الشماليّ، لكنّها مع ذلك لا تزال تقاوم حتّى ملّت الولايات المتّحدة والعديد من الدول الأوروبيّة من دعمها العسكريّ والسياسيّ.
الحرب بلا انتصار تستنزف الجميع
هكذا تستمرّ الحرب من دون حسم عسكريّ ومن دون انتصار سياسيّ، سواء في أوكرانيا بين روسيا والحلف الأطلسيّ، أو في الشرق الأوسط من غزّة والضفّة الغربيّة امتداداً حتّى إيران مروراً بجنوب لبنان وجنوب سوريا.
عندما انسحبت القوّات الأميركيّة من أفغانستان بطريقة مهينة، قال الرئيس الأميركيّ في ذلك الوقت جو بايدن: “الآن انتهت مرحلة الحروب البعيدة”. لكنّ إيران التي تتعرّض لحرب أميركيّة ليست فنزويلا الجارة الجنوبيّة للولايات المتّحدة، ذلك أنّ “الجمهوريّة الإسلاميّة” تقع في قارّة آسيا. صحيح أنّ الرئيس بايدن ليس الرئيس دونالد ترامب، وصحيح أنّ المسافة بين الرئيسين كالمسافة بين القارّتين الأميركيّة والآسيويّة، لكنّ الصحيح أيضاً أنّ الدولة العميقة في الولايات المتّحدة هي ذاتها. لم يتغيّر الأمر إلّا من حيث الشكل (جمهوريّ أو ديمقراطيّ).
من هنا تعني الحرب بلا انتصار سياسيّ واقعيّاً حرباً من أجل الحرب، وأيّ حرب بلا أهداف تعني استمرار استنزاف أطراف الحرب حتّى التلاشي على النحو الذي عانت منه فرنسا وألمانيا طويلاً كما تشهد على ذلك قبور مئات الآلاف من الجنود الفرنسيّين والألمان الذين دُفنوا معاً في سهول منطقة فردان أثناء الحرب العالميّة الأولى.
انتصرت ألمانيا وفرنسا في الحرب عندما تخلّتا عنها، وعندما شاركتهما في هذا التخلّي الدول الأوروبيّة الأخرى، وذلك على قاعدة إقامة الاتّحاد الأوروبيّ، وإقامة تفاهم نوويّ استراتيجيّ بين الاتّحاد السوفيتيّ والولايات المتّحدة على أنقاض جدار برلين.
محمد السماك