زيارة البابا للبنان في ذكرى “نوسترا إيتاتي”

بقلم محمد السماك

«أساس ميديا»

يستعدّ البابا ليو الرابع عشر للقيام بأوّل زيارة رعويّة له للبنان، فيما تُحيي الكنيسة الكاثوليكيّة ذكرى صدور وثيقة “نوسترا إيتاتي”، ومعناها “في عصرنا”، التي غيّرت صورة المسيحيّة الكاثوليكيّة وعلاقاتها مع الأديان، وخاصّة الإسلام. ما هي أهميّة هذه الوثيقة في هذا الزمن بالذات؟

حتّى عام 1965 كانت المسيحيّة تعني الكاثوليكيّة. وكانت الكاثوليكيّة تعني الدين مع ألف التعريف. “وجاء من أقصى مدينة روما رجلٌ يسعى” اسمه أنجيلو رونكالي… ذاق ويلات الحرب العالميّة، ولجأ بعد الحرب إلى الكنيسة الأمّ. من خلال عمله في السلك الدبلوماسيّ للفاتيكان تعرّف على الأرثوذكسيّة في اليونان، واكتشف أنّها مسيحيّة. وتعرّف على الإسلام في تركيا، واكتشف أنّه رسالة سماويّة.

عندما أصبح رأساً للكنيسة الكاثوليكيّة عام 1958 اتّخذ لنفسه اسم يوحنّا 23، وكان أوّل بابا يزور المؤسّسات الأهليّة: مستشفيات وجامعات وجمعيّات خيريّة. وأوّل عمل مهمّ قام به كان دعوة 2,800 شخصيّة دينيّة علميّة من 16 دولة للبحث في علاقات الكنيسة ومواقفها من الآخر. كان ذلك في تشرين الأوّل 1962.

هكذا انعقد المجمع الفاتيكانيّ الثاني. لكنّ البابا يوحنّا 23 توفّي قبل أن تكتمل أعمال المجمع. خلَفه البابا بولس السادس الذي حرص على التوقّف في لبنان وهو في طريقه للحجّ إلى القدس. صدرت عن هذا المجمع عام 1965 وثيقة غيّرت صورة المسيحيّة، وغيّرت جوهر وأسس علاقاتها مع الآخر، وخاصّة مع الإسلام.

إقرار الأخوّة الإيمانيّة

لم تعد الكاثوليكيّة تعني المسيحيّة حصراً. أقرّت الكنيسة الأخوّة الإيمانيّة مع الأرثوذكسيّة ومع الإنجيليّة. ولم تعد المسيحيّة تعني طريق الخلاص الوحيد إلى الله. وأقرّت الكنيسة الإسلام رسالة من عند الله، وحصرت مسؤوليّة صلب السيّد المسيح بمرتكبي الجريمة حصراً وليس بجميع اليهود حتّى قيام الساعة.

انفتحت الكنيسة أيضاً عبر المجمَع على أصحاب العقائد الأخرى في العالم، فغيّرت الموقف من الإسلام تحديداً. وهو موقف أرسى القاعدة الإيمانيّة التالية:

“تنظر الكنيسة بتقدير إلى المسلمين الذين يعبدون الله الواحد، الحيّ القيّوم، الرحمن القدير، الذي خلق السماء والأرض وكلّم الناس. إنّهم يسعون بكلّ نفوسهم إلى التسليم بأحكام الله، وإن خُفيت مقاصده، كما سلّم لله إبراهيم الذي يفتخر الدين الإسلاميّ بالانتساب إليه. وهم على كونهم لا يعترفون بيسوع إلهاً إلّا أنّهم يكرّمونه نبيّاً، ويكرّمون أمّه العذراء مريم مبتهلين إليها أحياناً بالإيمان. ثمّ إنّهم ينتظرون يوم الدين الذي يجازي الله فيه جميع الناس بعد أن يبعثهم أحياء. من أجل هذا يقدّرون الحياة الأبديّة، ويعبدون الله بالصلاة والصدقة والصوم خصوصاً”.

بولس الثّاني وبنديكتوس السّادس عشر

كان من بين أعضاء المجمَع الفاتيكانيّ الثاني الذي أقرّ هذا الموقف من الإسلام، البابا يوحنّا بولس الثاني والبابا بنديكتوس السادس عشر. دعا الأوّل إلى السينودس حول لبنان، ودعا الثاني إلى السينودس حول الشرق الأوسط. ومن لبنان حرص الاثنان على إعلان وثيقة الإرشاد الرسوليّ التي صدرت عن كلّ من السينودسَيْن.

حمّل الأوّل لبنان رسالة نقل روحيّة ومبادئ المجمَع الثاني إلى العالم العربيّ ومنه إلى العالم الإسلاميّ. لذلك أطلق البابا يوحنّا بولس الثاني على لبنان “بلد الرسالة”. لكنّ لبنان تعثّر في أدائه بسبب الصراعات الخارجيّة التي تلبننت فيه.

أطلق البابا بنديكتوس من لبنان وثيقة الإرشاد الرسوليّ حول الشرق الأوسط التي أكّدت أمرين أساسيَّين: الحرّيّة الدينيّة والمساواة في حقوق المواطنة. ذهبت المجامع الإسلاميّة الجديدة إلى أبعد من ذلك، فأسقطت مقولة الأكثريّة والأقليّة، ورفعت لواء المساواة في المواطنة حقوقاً وواجبات، ونادت بالحرّيّة الدينيّة التي وصفتها بأنّها أمّ الحرّيّات.

لم يخترع المجمَع الفاتيكانيّ الثاني في وثيقة “نوسترا إيتاتي” مسيحية جديدة، لكنّه دعا إلى العودة إلى أصولها الإيمانيّة، مجدّداً التزام القيم الروحيّة التي تدعو إلى المحبّة والفداء والتضحية في سبيل الآخر.

رأينا كيف عمل البابوات الذين تعاقبوا على كرسي القدّيس بطرس بدءاً ببولس السادس، ثمّ يوحنّا بولس الثاني، بنديكتوس السادس عشر، فرنسيس، والآن البابا ليو الرابع عشر، على ترجمة مقرّرات المجمَع، فقدّموا بذلك نماذج تُحتذى.

بعد موجة التطرّف الدينيّ الإلغائيّ للآخر التي اجتاحت بعض دولنا العربية والتي انتهكت حرمة الإسلام شريعةً ومنهاجاً، بادرت المرجعيّات الدينيّة الإسلاميّة إلى التصدّي لتلك الموجة بشجاعة المؤمن الواثق، فكانت مؤتمرات رابطة العالم الإسلاميّ في مكّة، مؤتمرات الأزهر الشريف في القاهرة، مؤتمرات مؤسّسة آل البيت في عمّان ومؤتمرات منتدى أبو ظبي للسلم في مراكش وأبو ظبي، وكان مؤتمر المقاصد الإسلاميّة في بيروت.

تلاقت مقرّرات هذه المؤتمرات الفقهيّة على قواعد إيمانيّة تقول بالمساواة في المواطنة، وتُسقط مقولة الأكثريّة والأقليّة، وترفع لواء الحقوق المتساوية، وتُسقط شعار التسامح بما يعنيه من فوقيّة المتسامح تجاه المتسامَح معه، وتنادي بالحرّيّات، وعلى رأسها الحرّيّة الدينيّة.

“نوسترا إيتاتي” إسلاميّة

يمكن وصف أعمال هذه المجامع الفقهيّة الإسلاميّة بأنّها “نوسترا إيتاتي” إسلاميّة، تتلاقى وتتماهى مع “نوسترا إيتاتي” الفاتيكانيّة التي نحتفل بذكرى صدورها. هو تلاقٍ وتماهٍ في الهدف الإنسانيّ البعيد الذي كرّسته وثيقة الأخوّة الإنسانيّة بين البابا فرنسيس والإمام أحمد الطيّب في أبو ظبي (2019).

لم يكن لبنان غائباً عن المؤتمرات الإسلاميّة الجديدة التي أعلنت هذه المواقف: مكّة، الأزهر، مراكش، عمّان، أبو ظبي وبيروت.

هكذا تكاملت روح وثيقة “نوسترا إيتاتي” التي غيّرت وجه الكاثوليكيّة مع الوثائق الإسلاميّة التجديديّة التي أعادت للإسلام وجهه المؤمن والمنفتح على أهل الكتاب خاصّة، وعلى كرامة الإنسان أيّاً كان معتقده.

في ذكرى صدور وثيقة “نوسترا إيتاتي”، وفي ضوء الوثائق الإسلاميّة الجديدة، نتساءل: هل يحمل لبنان رسالة هذا التكامل الإسلاميّ–المسيحيّ ليكون عن حقّ دولة الرسالة؟

الجواب على هذا السؤال واضح جدّاً: لبنان يكون بهذه الرسالة أو لا يكون… وسيكون.

محمد السماك