بقلم د. ابراهيم العرب
رسمياً، تندرج زيارة قائد الجيش اللبناني إلى باكستان ضمن إطار تعزيز التعاون العسكري بين الجيشين، وتبادل الخبرات والتدريب، وتطوير العلاقات بين المؤسستين العسكريتين. إلا أن توقيت الزيارة يمنحها دلالات تتجاوز العناوين التقليدية التي ترافق عادةً مثل هذه اللقاءات.
فالزيارة تأتي في ظل تصعيد إسرائيلي مستمر ضد لبنان، إذ تشير المعطيات إلى مقتل 3593 شخصاً وإصابة 10990 آخرين منذ الثاني من آذار/مارس الماضي. كما أعلن الجيش اللبناني، اليوم، مقتل ضابطين برتبتي عميد ونقيب، إضافة إلى جندي، في غارة إسرائيلية استهدفت آليتهم في جنوب لبنان، وذلك بعد أيام من اتفاق لبناني ـ إسرائيلي على تطبيق هدنة مشروطة.
وتتزامن الزيارة أيضاً مع استمرار الجهود الباكستانية الهادفة إلى التوسط بين طهران وواشنطن، وهي جهود تتقاطع، بصورة أو بأخرى، مع مسار التهدئة الذي يشهده لبنان منذ منتصف نيسان/أبريل الماضي، وصولاً إلى التوصل، الخميس الماضي، إلى “إعلان نيات” بين بيروت وتل أبيب بشأن وقف إطلاق النار.
صحيح أن المعطيات الرسمية المتاحة لا تشير إلى أي دور سياسي مباشر لهذه الزيارة، ولا تؤكد وجود رابط بينها وبين المفاوضات الجارية في المنطقة، إلا أن القراءة السياسية للتوقيت لا تسمح بالتعامل معها بوصفها مجرد حدث بروتوكولي عابر. فزيارة قائد الجيش اللبناني إلى دولة يُنظر إليها باعتبارها منخرطة في قنوات التواصل الإقليمية والدولية تفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول الرسائل التي قد تحملها، وحول موقع لبنان في الترتيبات الإقليمية التي يجري العمل عليها.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى الزيارة باعتبارها جزءاً من مسعى أوسع يهدف إلى تحصين المسار اللبناني وإبقائه منفصلاً عن مسار التفاوض الإيراني ـ الأميركي، من خلال توسيع شبكة الاتصالات اللبنانية وفتح قنوات تواصل إضافية عبر أطراف إقليمية تمتلك القدرة على مخاطبة واشنطن وطهران في الوقت نفسه.
كما أن زيارة بهذا المستوى يصعب تصور حصولها من دون تنسيق كامل مع رئاسة الجمهورية، ولا سيما أن المؤسسة العسكرية أصبحت طرفاً أساسياً في إدارة الملفات المرتبطة بالأمن والاستقرار الداخليين، فضلاً عن دورها المتزايد في مواكبة التطورات الإقليمية وانعكاساتها على لبنان.
كذلك، فإنَّ الزيارة قد تحمل انعكاسات تتصل بكيفية مقاربة المرحلة اللبنانية المقبلة، سواء في حال تثبيت وقف إطلاق النار أو الانتقال إلى مرحلة ما بعد الحرب بشكل كامل. حيث تشير المعطيات إلى أنَّ النقاشات التي ستحصل ستتركز على التحديات الأمنية التي قد تواجه لبنان خلال المرحلة المقبلة، إضافة إلى سبل تعزيز قدرات المؤسسات الأمنية الرسمية.
وتكتسب الزيارة بعداً إضافياً بالنظر إلى الشخصية التي تمثل الطرف المقابل فيها، إذ يُنظر إلى قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير على نطاق واسع باعتباره صاحب النفوذ الأبرز في النظام السياسي الباكستاني، بحكم التأثير الواسع للمؤسسة العسكرية في إدارة شؤون الدولة. وقد أسهم انخراطه في جهود الوساطة بين طهران وواشنطن في تعزيز حضوره الإقليمي، ما يجعل من الطبيعي أن يسعى إلى توسيع دائرة أدواره وعلاقاته، بما في ذلك التواصل مع شخصيات لبنانية وازنة، وفي مقدمها قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل.
وبالتالي، فإن نتائج هذه الزيارة قد تظهر تدريجياً في مقاربة بعض الملفات الحساسة، خصوصاً تلك المرتبطة بإدارة الاستقرار الداخلي والتعامل مع المتغيرات الإقليمية التي تفرض نفسها على الساحة اللبنانية.
كما يحتاج الجيش اللبناني مزيداً من الدعم، بعد ابتكار فكرة المناطق التجريبية، ذلك أن اختيار مناطق محددة ينسحب منها الجيش الإسرائيلي تدريجيًا، مقابل انتشار كامل للجيش اللبناني ومنع عودة أي مظاهر مسلحة غير رسمية، سوف يشكل اختبارًا مرحليًا لتنفيذ الترتيبات الأمنية المنبثقة عن القرار 1701، بدل تطبيقها دفعة واحدة على كامل المنطقة الحدودية.
حيث كشف الرئيس اللبناني فخامة العماد جوزاف عون أن بيروت اقترحت أن تكون البداية في بلدات الزوطرين الشرقية والغربية ويحمر وقلعة الشقيف، نظرًا لرمزية المنطقة وقربها من مدينة النبطية.
لكن الطرح الجديد ألقى مزيداً من المسؤوليات على الجيش اللبناني، وربما تساعد زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى باكستان باكتساب الدعم اللازم للمؤسسة. ذلك أن اعتماد نموذج “المناطق التجريبية” قد يربط أي انسحاب إسرائيلي شامل بنتائج تقييم متدرج، ما قد يجب تجنبه لكي لا يطول أمد بقاء القوات الإسرائيلية في بعض المواقع الحدودية.
وفي هذا السياق، تبدو الزيارة أكثر من مجرد محطة في إطار التعاون العسكري الثنائي؛ فهي تعكس، في جانب منها، محاولة لبنانية لنسج علاقات أوسع مع أطراف تمتلك هامش حركة إقليمياً، كما تعكس اهتماماً باكستانياً متزايداً بمتابعة الملفات المرتبطة باستقرار لبنان ومستقبل التوازنات في المنطقة، في مرحلة تتسم بحساسية سياسية وأمنية غير مسبوقة.
وفي المحصلة، يظلّ الجيش اللبناني، ذلك الصرح الوطني الشامخ، سنداً أبيّاً للبنان وأهله، حاملاً على عاتقه أمانة حفظ السيادة والاستقرار، ومتجسّداً في سلوكه أسمى معاني الانضباط والتضحية والولاء للوطن. وفي ظلّ قيادة العماد رودولف هيكل، يزداد هذا الدور بريقاً وحزماً، فهو القائد المؤهل بخبرته وحنكته، المشهود له بمناقبيته العالية ونزاهته، واجتهاده في خدمة المؤسسة العسكرية والشعب اللبناني على حد سواء؛ سائلين الله العظيم، ذا الجلال والإكرام، أن يُوفّقه لكلّ خير، وأن يُسدّد خطاه، وأن يُعينه على حمل الأمانة الثقيلة، وأن يجعل عمله نوراً يهتدي به لما فيه صلاح البلاد والعباد، وأن يُحفظ لبنان من كلّ مكروه تحت رايته الباسلة.
د. ابراهيم العرب