بقلم دافيد عيسى
سياسي لبناني
لفتني ما كتبه النائب طوني فرنجية على منصة «إكس»، عقب إعلانه إلغاء مداخلته التي كانت مقررة خلال جلسة استجواب حكومة نواف سلام.
وقد آثرت التريّث قليلًا قبل تناول هذا الموضوع، إلى أن تهدأ التعليقات ويخفت الصخب الذي رافق الجلسة، بما يسمح بقراءة الموقف بعيدًا عن أجواء اللحظة وانفعالاتها.
قد تبدو الخطوة، عادية: نائب قرر عدم إلقاء مداخلة كان قد أعدّها مسبقًا للجلسة.
لكن الظاهر ان طوني فرنجية اختار ألّا ينخرط في استجواب بدا، في كثير من لحظاته، أقرب إلى “مشهد مسرحي” منه إلى نقاش سياسي جدي ومسؤول.
ارتفعت نبرات النواب، وتبادلت الكتل «كلمات ليست كالكلمات»، على طريقة نزار قباني.
ثم عاد الجميع إلى مقاعدهم، لا شيء معهم سوى كلمات.
وكذلك خيّمت على الجلسة أجواء من التوتر، تجلّت في مواقف حادّة خرجت، في بعض الأحيان، عن أصول النقاش السياسي، وانزلقت إلى تبادل الإهانات والتجريح، فيما البلاد تواجه ملفات سياسية بالغة التعقيد والحساسية، تتداخل فيها اعتبارات داخلية وأبعاد إقليمية.
وهي ملفات كان يُفترض أن تفرض على النواب والوزراء مستوى أعلى من المسؤولية السياسية، وأن تستدعي مقاربة جادة وواقعية لطبيعتها وتعقيداتها.
إلا أن مسار النقاش أظهر، بكل أسف، أن فهم هذه القضايا والإحاطة بتشابكاتها والقدرة على حسمها لا تزال، في كثير من الأحيان، تتجاوز قدرة بعض النواب على استيعاب أبعادها والتعامل معها بالجدية المطلوبة.
ومن هنا، كان الأجدى أن تنصبّ مداخلات النواب على الشأن المعيشي والاجتماعي، وأن تلامس الهواجس اليومية للمواطنين، بدءًا من الأوضاع المعيشية والمالية والاقتصادية والاجتماعية، وصولًا إلى الضغوط المتزايدة التي تثقل كاهلهم.
فهذه القضايا والتي تخص الناس تقع في صميم مسؤولياتهم، بدلاً من الانشغال بجدلٍ بيزنطي حول ملفات إقليمية تتجاوز، قدرة النواب والحكومة مجتمعين، حتى على إبداء موقف أو اتخاذ رأي بشأنها.
وهكذا، بدت الجلسة، في جانب كبير منها، صخبًا سياسيًا عابرًا سرعان ما تبدّد بانتهاء الجلسة.
فحين تكون بعض الملفات أكبر من أن يحيط بها النواب والوزراء وحتى بعض كبار المسؤولين، وأبعد من قدرتهم حتى على إبداء رأي مسؤول بشأنها، يصبح الصمت عنها أكثر جدوى من الخوض فيها، والانصراف إلى ما يعني الناس في معيشتهم وحياتهم اليومية أولى من التلهّي بقضايا تتجاوز حدود القدرة.
وهكذا بقي المواطن اللبناني متفرّجًا على هذا المشهد، يراقب ويسأل: إلى أين يقودنا كل هذا الهرج والمرج، وما الذي سيتغيّر فعليًا في حياة المواطن بعد أن تنتهي هذه الخطب وتُطوى هذه المواقف؟
وربما انطلق طوني فرنجية من قناعة بسيطة: أن يدرك المرء متى يصبح الكلام بلا جدوى، ومتى يغدو الصمت أبلغ من الخطب.
إن نقل وسائل الإعلام مجريات الجلسات النيابية يحوّل المنبر البرلماني إلى ما يشبه «سوق عكاظ»، حيث يسعى بعض النواب إلى استعراض فصاحتهم وبراعتهم أمام الجمهور، فيغدو الظهور الإعلامي جزءًا أساسيًا من المشهد النيابي.
كان بإمكان طوني فرنجية، شأنه شأن سواه، أن يصعد إلى المنبر ويتحدث، فيلقي على اللبنانيين كلمة قد تستحسنها فئة ولا تلقى قبولًا لدى أخرى، ثم ينتهي مفعولها بانتهاء الجلسة.
وكان من شأنه أن يضيف مداخلة أخرى إلى سيل الكلام المتدفق، من دون أن تغيّر شيئًا في المشهد، أو تقدّم أو تؤخر في واقع أثقلته الخطب، حتى بات ينطبق عليه تمامًا المثل القائل: «نسمع جعجعةً ولا نرى طِحنًا».
لكن فرنجية بدا مدركًا أن الناس سئمت الخطابات والصراعات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وأن أولوياتها باتت أكثر التصاقًا بحياتها اليومية وحقوقها الأساسية وهمومها المعيشية.
وهذا ما عبّر عنه فرنجية قبل دخوله إلى الجلسة، خلال دردشة مع الصحافيين.
فاللبناني اليوم يتطلّع إلى مَن يدافع عن لقمة عيشه، ويطالب بحقوقه الأساسية، وفي مقدّمها تأمين الكهرباء والمياه والتعليم، والأهمّ ضمان الطبابة والاستشفاء، حتى لا يجد نفسه عاجزًا أمام باب المستشفى، عاجزًا عن تأمين العلاج لأنه لا يملك المال الكافي.
وكان اللبناني ينتظر من النواب أن يضعوا الملفات المعيشية في صدارة كلماتهم ومطالباتهم أمام الحكومة، بدءًا من تشديد الرقابة على أسعار السلع الغذائية التي باتت تستنزف مداخيل الأسر، مرورًا بأسعار المحروقات، وصولًا إلى مختلف الاحتياجات اليومية التي تحوّلت إلى عبءٍ متزايد ومصدر قلق دائم للبنانيين.
من هنا، بدا أن طوني فرنجية اختار أن يكون حاضرًا حيث يحتاجه الناس، وأن يترجم العمل النيابي إلى متابعة فعلية لقضاياهم وهمومهم، بعيدًا عن الاكتفاء بالظهور الإعلامي وإطلاق المواقف.
لكن اللافت، وربما الأهم، في تغريدة طوني فرنجية، وهنا تحديدًا بيت القصيد، هو ما جاء في قوله: «إذا كان الانقسام عموديًا إلى هذا الحد، فقد حان الوقت لحوار وطني يصون، ويحصّن، ويوحّد».
عبارة تختصر أكثر من مجرد موقف عابر، وتفتح الباب أمام سؤال أساسي: ماذا يعني أن يصبح الحوار الوطني، في لحظة انقسام بهذا العمق، حاجة تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة؟
طوني فرنجية أدرك بوضوح ما يحتاجه لبنان اليوم: ليس المزيد من الانقسام، فهو طرح مسألة تتجاوز الخلافات السياسية والحسابات الحزبية الضيقة.
طرح حوارًا صادقًا ومسؤولًا بين اللبنانيين، حوارًا يجمع المختلفين حول الطاولة نفسها، انطلاقًا من قناعة راسخة بأن أحدًا لا يستطيع إلغاء الآخر، وأن لبنان لا يُبنى إلا بالشراكة بين أبنائه، على اختلاف آرائهم وتوجهاتهم الحزبية.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي أن يحول الاختلاف السياسي مع فرنجية دون تقدير قيمة الدعوة إلى الحوار والإقرار بضرورته، كما لا ينبغي أن يقلّل من أهمية الانفتاح على الآخر، ولا سيما في ظلّ حالة الانقسام العميق والخطير التي يعيشها لبنان واللبنانيون اليوم.
فالحوار ليس ضعفًا، ولا تنازلًا، ولا تهرّبًا من المسؤولية.
الحوار هو أن ندرك، مهما بلغت خلافاتنا السياسية، أننا شركاء في وطن واحد، وأن ما يصيب لبنان لا يستثني أحدًا، بل يطالنا جميعًا.
وفي النهاية، لقد تعب اللبنانيون من انتظار الحلول الخارجية، وتعبوا أكثر من أن يبقى مستقبل بلدهم معلّقًا على ما قد يأتي من هنا أو هناك.
ولهذا تبدو دعوة طوني فرنجية إلى الحوار في مكانها.
من الممكن ان لا نصل إلى اتفاق على كل شيء، وربما لا يكون ذلك مطلوبًا أصلًا.
لكن المطلوب أن نصل إلى اتفاق على شيء واحد: مصلحة لبنان ومصلحة شعبه.
لبنان لم يعد يحتمل المزيد من الانقسام، فالمطلوب أن نصغي إلى بعضنا البعض، وأن نختلف دون أن يتحول اختلافنا إلى عداوة.
وأن نبحث عمّا يجمعنا، بدل أن نبقى أسرى لما يفرّقنا.
طوني فرنجية لم يقل إنه لا يملك ما يقوله خلال الجلسة، بل بدا وكأنه يقول إن هناك ما هو أهم من كلام إضافي تحت قبة البرلمان.
هناك وطن يحتاج إلى حوار.
وإذا قرر اللبنانيون أن يتحاوروا بصدق، يستطيعون على الأقل أن يبدأوا بتغيير الطريقة التي يتعاملون بها مع أزمتهم.
وربما هذا هو المعنى الأبعد في موقف طوني فرنجية: أن نعرف متى يكون الكلام ضروريًا، ومتى يصبح الحوار أكثر ضرورة منه.
في الختام يبقى الحوار اللبناني ـ اللبناني طريقًا لا يمكن الاستغناء عنه إذا أردنا فعلًا أن ننقذ وطننا من المآسي التي يعيشها.
دافيد عيسى