بقلم دافيد عيسى
تتجاوز قضية الحاكم السابق لمصرف لبنان، رياض سلامة، حدود ملاحقة مسؤول تولّى أحد أكثر المواقع المالية حساسية في الدولة لسنوات طويلة، لتتحول إلى اختبار حقيقي لطبيعة العدالة في لبنان.
فالقضية تتمحور حول كشف الحقيقة الكاملة للانهيار المالي بجميع أبعاده، وتحديد المسؤوليات المترتبة عليه، وبيان الجهات والأسباب التي أوصلت البلاد إلى هذه المرحلة المالية الدقيقة والبالغة الصعوبة.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري:
هل تتجه الدولة نحو محاسبة شاملة تكشف مختلف جوانب الأزمة المالية وضياع أموال المودعين، وتحدد المسؤوليات كاملة، أم ستُختزل مرحلة سياسية ومالية معقدة بتحميل شخص واحد مسؤولية ما جرى؟
منذ تولّي رياض سلامة حاكمية مصرف لبنان في الأول من آب عام 1993، دخل لبنان مرحلة طويلة من التحولات المالية والاقتصادية والسياسية، شهدت سياسات نقدية ومالية متشابكة، وقرارات كبرى، وخيارات متراكمة في إدارة المال العام والدين العام.
وفي صلب تلك المرحلة، اعتمدت الدولة اللبنانية، بموافقة الحكومات المتعاقبة وبالتنسيق مع مصرف لبنان، سياسة تثبيت سعر صرف الليرة اللبنانية باعتبارها خيارًا نقديًا يهدف إلى تحقيق الاستقرار المالي والنقدي بعد سنوات الحرب.
لقد استمرت هذه السياسة لعقود باعتبارها توجهًا رسميًا للدولة، وترافقت مع خيارات اقتصادية متراكمة لم تُواكبها إصلاحات بنيوية كافية.
ومع مرور الوقت، أدى تراكم العجز وتزايد أعباء الدين العام إلى تفاقم الاختلالات المالية والنقدية، وصولًا إلى الأزمات التي ظهرت آثارها لاحقًا.
من هنا فإن تحميل مسؤولية مسار تاريخي امتد لعقود، وتشكل بفعل عوامل متعددة وقرارات متراكمة وظروف داخلية وخارجية متشابكة، لشخص واحد فقط، يمثل تبسيطًا لواقع الحال.
فالمحاسبة الحقيقية لا تقوم على تقديم كبش فداء يُختصر به مشهد الأزمة، بل تستوجب مراجعة شاملة وجريئة لكل المراحل التي أوصلت لبنان إلى ما هو عليه اليوم.
فالانهيار المالي كان حصيلة تراكمات طويلة ضمن سياق سياسي واقتصادي شمل سياسات الاستدانة والإنفاق، وسوء الإدارة، والهدر في مؤسسات الدولة وقطاعاتها المختلفة.
كما أن أي تحقيق جدي لا يمكن أن يتجاهل الملفات التي استنزفت المال العام، بدءًا من الكهرباء، مرورًا بالهدر في الصناديق، والمشاريع التي أُنفقت عليها مليارات من دون تحقيق النتائج المرجوة.
ولا يمكن أيضًا إغفال قضايا تهريب الدولار الأميركي والسلع المدعومة إلى سوريا، وغيرها من الملفات التي استنزفت الاقتصاد اللبناني وأضعفت قدراته خلال السنوات الماضية.
ومن هنا، فإن العدالة الحقيقية تقتضي فتح جميع الملفات، ومساءلة كل من تثبت مسؤوليته أو تقصيره.
إن الأموال التي خسرها المودعون والمغتربون ليست مجرد أرقام في حسابات مصرفية، بل هي جنى أعمار وتعب سنوات طويلة.
ما جرى يستوجب تحقيقًا شفافًا وشاملًا يكشف حقيقة ما حدث، ويحدد أين تقع المسؤوليات، بما يمهّد لاستعادة الحقوق ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن هذه المأساة الوطنية.
فعندما نقول إنه لا يجوز تحميل شخص واحد مسؤولية أخطاء مرحلة بأكملها، فإن ذلك يفرض كشف الحقيقة كاملة، بكل تفاصيلها وملابساتها، وفقًا لأحكام القانون.
ويظل القضاء المستقل الركيزة الأساسية لقيام دولة القانون، والضمانة الحقيقية للوصول إلى العدالة وكشف الحقيقة، بعيدًا عن التجاذبات والتدخلات السياسية.
فمنذ اندلاع الأزمة المالية التي عصفت بالبلاد، وصولًا إلى انفجار مرفأ بيروت، برزت الحاجة الملحّة إلى مؤسسات قضائية مستقلة وقادرة على محاسبة الجميع بالمعيار نفسه، من دون أي تمييز.
وفي هذا الإطار، فإن تحقيق العدالة لا يكتمل إلا من خلال محاكمة عادلة وشفافة لرياض سلامة، مع ضمان أمنه وسلامته الكاملة، وإظهار الحقيقة وتحديد المسؤوليات وفقًا للقانون.
وليقف رياض سلامة أمام اللبنانيين، وليكشف ما لديه من معطيات حول المرحلة المالية التي أدار خلالها مصرف لبنان، وليُجب أمام الرأي العام عن الأسئلة الكبرى المتعلقة بمصير الملف المالي.
“وليكن هذا الاستجواب علنيًا وشفافًا، بحضور وسائل الإعلام اللبنانية والدولية، وممثلي المجتمع المدني، والحقوقيين، والمراقبين المستقلين، بما يضمن اطلاع اللبنانيين على الحقيقة كاملة.
فهذه ليست قضية عابرة، ولا ملفًا يُغلق بتحميل مسؤولية مرحلة كاملة لشخص واحد، بل هي قضية ستُكتب في تاريخ لبنان، وستكون اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الدولة على إرساء عدالة تطال الجميع، وتشكّل عبرة للأجيال المقبلة.
وعندما يشعر اللبناني بأن الحقيقة ظهرت، وأن القانون طُبّق على الجميع بالمعيار نفسه، عندها فقط تبدأ الدولة باستعادة ثقة مواطنيها، ويصبح شعار دولة القانون واقعًا لا مجرد وعد.
دافيد عيسى