عندما يترحّم برّي على اتّفاق 17 أيّار…

بقلم نقولا ناصيف

«أساس ميديا»

أن يصل المآل إلى يوم يترحّم فيه الرئيس نبيه برّي على اتّفاق 17 أيّار، فذلك ما ليس في الإمكان تصوّره. ليس ترحّمه عليه بسبب امتعاضه وانزعاجه من زيارة الموفد الأميركي توم بارّاك فحسب، بل تعبير عن غضب لم يكتمه من أن تؤول جولات الزائر الأميركي إلى خذلانه في كلّ ما كانا ناقشاه قبلاً بتفهّم وودّ مع تبادل الإطراء الشخصيّ.

ليس سهلاً ولا حتّى متوقّعاً أن يُسمَع الرئيس نبيه برّي يقول إنّ الضامن الأميركي أحال اتّفاق وقف النار مع إسرائيل الموقّع في 27 تشرين الثاني “أسوأ” من اتّفاق 17 أيّار 1983، وهو الشريك الموقِّع عليه. قبل أن يسقط اتّفاق 17 أيّار بقوّة النار أسقطه الأميركيون بالتخلّي عن موقِّعه اللبنانيّ الرئيس أمين الجميّل، عندما أذعنوا لشروط في الرسالة الإسرائيلية لم يوردها الاتّفاق تربط انسحاب القوّات الإسرائيلية بانسحاب القوّات السوريّة والفلسطينيّة وإعادة أسراهم. لم يبرمه الجميّل فسقط الاتّفاق سياسيّاً، ثمّ أسقطه عسكريّاً تحالف برّي ووليد جنبلاط آنذاك بدعم سوريّ ميدانيّ.

ذلك تماماً ما عناه رئيس البرلمان مجدّداً عندما سأله “أساس” عن الضامن الأميركي في ضوء ما افترض أن يحمله إليه توم بارّاك من إسرائيل، فإذا برّي يقول بخيبة: “يا محلى 17 أيّار”.

إسرائيل أوّلاً

لم يعنِ رئيس المجلس حتماً تخلّيه عن موقفه القديم من اتّفاق 17 أيّار أو ندمه عليه، بيد أنّ مغزى كلامه أنّ الأميركيّين لا يملكون سوى أن يخذلوا لبنان. أكثر من ذلك قال: “بين أميركا وإسرائيل، إذا خيّرتَ الأميركيّين يختارون إسرائيل لا أميركا”.

في محادثاته الثلاثاء المنصرم مع الوفدين الأميركيَّين، بارّاك ومرافقته نائبته مورغان أورتاغس ووفد الكونغرس الأميركي الذي على رأسه ليندسي غراهام، لمس موقفاً موحّداً أكثر منه تبادل أدوار بينهما: “من دون تجريد “الحزب” من سلاحه كاملاً لا انسحاب إسرائيليّاً من لبنان”. مع أنّ نبرة غراهام في عين التينة بدت أقلّ تشنّجاً ممّا أدلى به في قصر بعبدا، وهو أقرب إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب من بارّاك بحسب ملاحظة رئيس المجلس، إلّا أنّ مضمون الرسالة واحد. بلسان عضو الكونغرس بدت أكثر صدقيّة من الزائر الآخر. مع ذلك لاحظ أنّ غراهام بدا عليه الارتياح في ما سمعه منه.

قال برّي: “ذهب بارّاك إلى إسرائيل مُحمَّلاً ما اتّفقنا عليه في الاجتماع السابق، إلّا أنّه عاد من دونه. اتّفاقنا الذي قَبِلَ به هو أن تنفّذ إسرائيل ما عليها في اتّفاق وقف النار، ثمّ نبحث في سلاح المقاومة. لكنّه عاد بلا أيّ جواب. ذلك يعني كما لو أنّ اتّفاق وقف النار قد نُسف برمّته وأنّ إسرائيل لن تنفّذه. لا ضمانات يقدّمها لنا الأميركيون لتنفيذ الاتّفاق ولن يكونوا في صدد تقديمها كما قال. وقّعت الاتّفاق مع ضامن أوّل هو الأميركي، ومع ضامن ثانٍ هو الفرنسي، والتزماه علناً. وماذا بعد؟ أنشأنا اللجنة الأمنيّة الخماسية لمراقبة التنفيذ الذي لم يحصل. اجتمعَت مرّتين وتوقّفَت عن العمل، وفي المرّتين استهدفتها إسرائيل بالاعتداءات”.

ماذا عن الحوار؟

أضاف: “عندما قال لي بارّاك إنّ لبنان وليس نحن مَن سيُجرّد “الحزب” من سلاحه قبل أن تنسحب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلّة قلت له هذا ألْعَنْ. لا تتوقّع أن أمشي في عرض كهذا ولا أن أوافق على نقل المشكلة من إسرائيل إلى الداخل. عليها أن تباشر انسحابها. بعدذاك نتحدّث مع “الحزب” في مصير السلاح كشأن داخلي بعيداً من أيّ ضغوط”.

سُئل رئيس البرلمان هل يلمس أنّ الأميركيّين يفاوضون لبنان على أنّه خسر الحرب مع إسرائيل، وأنّ عليه وحده أن يتنازل ويدفع الثمن ولا يملك أن يشترط، أجاب: “يريدون التعامل معنا كأنّنا خاسرون. نعم دفعنا الثمن. لكن بعد الآن لن ندفع أيّ ثمن”.

قال برّي: “الواضح أنّ ثمّة محاولة لإلقاء كرة النار على الجيش من خلال تكليفه بتنفيذ خطّة حصر السلاح في يد الدولة. فليُعِدها وهذا دوره. لن نسمح بمسّ الجيش أو التحريض عليه أو حتّى رمي وردة عليه. القرار في نهاية المطاف سياسيّ ومكانه في مجلس الوزراء عندما تُعرض الخطّة عليه وسنرى”.

لم يخفِ قلقه من التشنّج السائد وإشاعة مناخات تصعيد وبلبلة، ولم يتردّد في القول إنّ “المشكلة داخلية. لا أحد يلعب بنا إلّا الداخل الذي يلعب بمصير البلد برمّته. هذه هي العلّة. عوض جعل الزوايا حادّة فلندوّرها. سأظلّ على موقفي الذي يعرفه الجميع في الداخل والخارج. مؤسف أن لا نكون في صدد حوار. عام 2006 قادنا الحوار إلى استقرار الجنوب طوال 16 عاماً في ظلّ القرار 1701. الآن لا أحد يريد الحوار. المحزن أنّ مَن لا يريده يريد الأميركي بالذات”.

نقولا ناصيف