في ذكرى استشهاد وليد عيدو: لن نفرّط بدم الشهيد

المحامي أسامة العرب
رحم الله الشهداء الأبرار، القاضي الشريف وليد عيدو، ونجله المحامي خالد ومرافقهما، نستذكرهم اليوم، وفي كلّ يوم، ولا سيما في هذه الأيام العصيبة التي تمرّ بها أمتنا، أيام الفتن والابتلاءات، أيامٌ تكشف فيها المعدن الحقيقي للرجال، ويبرز فيها من وهب روحه فداءً لله.
القاضي وليد عيدو… اسمحوا لي أن أتحدّث عنه بما يستحقّ. إنه الرجل الذي حمل على عاتقه أمانة القضاء كما يجب أن تُحمل، بعزيمة لا تلين، وبقلبٍ يخفقُ حبّاً بالعدل والإنصاف. لقد كان القاضي وليد، رحمه الله، صاحب مواقفَ صلبةٍ كالجبال الراسية، ومواقفٌ لا تعرف الانحناءَ إلا لله، ولا تعرف التراجعَ أمام الباطل. كان واضحاً فيما يقول، شجاعاً فيما يقرّر، ثابتاً على الحقّ كالشامخات التي لا تُقْلَعُ من جذورها مهما عصفت الرياح.
لقد امتلك فكراً ثاقباً يَنفُذُ إلى لبّ الأمور، يُحلّلُ في أيام ما يحتاج غيره إلى سنواتٍ ليفهمه. وفي الوقت ذاته، كانت تعلو سجله المناقبيةُ العالية، تلك المناقبية التي لا تُشترى بالمال، ولا تُوهب بالمناصب، بل هي خلاصةُ سنواتٍ من التزامٍ أخلاقيٍّ راسخ، وسلوكٍ نقيٍّ طاهر.
لقد كان المرحوم فعلاً قامةً وطنيةً بكل ما للكلمة من معنى. وإنّ القامة الوطنية ليست مجرد وصفٍ تجميليّ نلصقه بمن نشاء، بل هي مرتبةٌ يبلغها القليلون، ويستحقّها الأقلّون. والقاضي وليد كان من تلك الأقلية النادرة التي صقلتها التجارب ورفعتها المواقف، وطهّرتها النيات. كان يُفرِّق بفطنةٍ يقظةٍ بين الحقّ والباطل، ولو اجتمع العالم أجمع على خلاف ذلك. كان يمشي بين الناس بصمتٍ يعلوه الوقار، وبحزمٍ يُشعِرُ كلّ من رآه أنه أمام رجلٍ من طرازٍ فريد.
كان نِعم الصديق والأخ الكبير، الوفيّ العزيز. ويا لها من كلماتٍ ثلاثٍ تعجز عن حمل أثقالها! نِعم الصديق، ذلك الصديق الذي إذا اشتدّت عليك الدنيا كنت تلجأ إليه، فتجد عنده الملجأ والسند. والأخ الكبير، ذلك الأخ الذي يضعك في عينيه، ويرى مصلحتك من مصلحته، ويحميك كما يحمي أحبائه. والوفيّ… أجل، لقد كان وفيّاً بمعنى الكلمة، وفيّاً لرفاق دربه ولمدينته بيروت، فقد كان القاضي وليد وفيّاً لأبنائها وشبابها وكهولها، وفيّاً لترابها الذي ارتوى بدماء الشهداء. كان يحملها في قلبه كما يحمل المؤمنُ الكعبةَ المشرّفةَ في حنينه.
وستبقى مسيرته العطرة حافلةً مليئةً بالتضحيات. ذلك أن التضحية ليست لحظةً عابرةً، بل هي منهج حياة. والقاضي وليد رحمه الله، عاش هذا المنهج منذ نعومة أظفاره، مروراً بمسيرته المهنية النزيهة، وصولاً إلى لحظة الاستشهاد تلك التي خطّت اسمه بأحرفٍ من نورٍ في سجلّ الشهداء الأبرار. خصوصاً أن مسيرته عطرةٌ كالطيب لا تغيّرها الأحداث، بل تزداد عبقاً كلما مرّ عليها الزمن.
واليوم في ذكرى استشهاده، تلك الذكرى التي لا تمرّ مرورَ النسيان، بل تُثري فينا إيماننا بقضيتنا، وتُجدّد في عزيمتنا عزائمَنا. نترحّم عليه في هذه اللحظات، ونسأل الله العليّ القدير أن يتغمّده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جنّاته مع النبيّين والصدّيقين والشهداء وحسُن أولئك رفيقاً. ونُجدّد تعازينا الحارة، ممتلئةً بالمشاعر الصادقة، إلى عائلته الكريمة التي قدّمت لنا وللوطن أغلى ما تملك، وإلى كل الذين فقدوا أباً حنوناً، وإلى كل زوجة فقدت رفيقَ دربها وسندها في هذه الدنيا.
كما نُجدّد تعازينا لبيروت التي قدّمت وما تزال تقدّم خيرة شبابها فداءً للأمة والوطن. فيا بيروت، كم رأيت من عيونٍ أُغمضت، وكم سمعت من أنينٍ ارتفع، وكم شهدت من شهداءٍ صعدوا إلى العلى! لأنك أمّ الشهداء، وحاضنة الأبطال، ومهد الثورات، وقلعة الصمود. وإنها ليست مجرد عبارة، بل هي حقيقةٌ ملموسة. فخيرة الشباب، أولئك الذين يملكون العقول الراجحة، والقلوب النقية، والنفوس الطاهرة، الذين لا يبيعون ضمائرهم، ولا يركعون إلا لله. هؤلاء الذين يقدّمون أنفسهم دفاعاً عن الأمة بأسرها، عن كرامتها، عن عزّتها، عن مستقبل أجيالها القادمة. والدفاع هنا ليس بالكلمة البليغة وحدها، بل بالروح التي تُبذل، والدم الذي يُراق، والحياة التي تُوهب رخيصةً في سبيل أن تبقى راية الوطن مرفوعةً خفاقةً. نعم، لقد دافع القاضي الشهيد وليد عيدو ونجله خالد ومرافقهما عن الأمة في وجه التحدّيات، وعن الوطن في مواجهة المؤامرات، فكانوا في ذروةِ سنامِ المجد، وفي قمّةِ درجِ الشهادة.
وختاماً، نسأل الله أن يتقبّلهم في علّيّين، وأن يجعل دماءهم الزكية مناراً يهتدي به الأحرار، وأساساً ينبني عليه مستقبلٌ زاهرٌ لهذه الأمة. ونسأله سبحانه وتعالى أن يحيي فينا روح التضحية والفداء.
المحامي أسامة العرب