المحامي أسامة العرب
تشكل زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق حدثاً سياسياً يتجاوز في أهميته البروتوكول الدبلوماسي، ليحمل في طياته رسائل استراتيجية تتصل بمستقبل سوريا، وبالتحولات التي يشهدها الإقليم، وبكيفية إعادة إدماج الدولة السورية في النظامين الإقليمي والدولي. فالزيارة، بوصفها الأولى لرئيس دولة غربية كبرى، والأولى لرئيس من دول الاتحاد الأوروبي منذ التغيير السياسي الذي شهدته سوريا أواخر عام 2024، تمثل مؤشراً على بداية مرحلة جديدة في التعاطي الدولي مع دمشق، بعد سنوات طويلة من القطيعة والعزلة والصراع.
ولم يكن اختيار فرنسا لهذه الخطوة أمراً عابراً، فباريس لطالما سعت إلى الاحتفاظ بدور مؤثر في قضايا الشرق الأوسط، وهي تدرك أن استقرار سوريا بات ضرورة تتجاوز الحدود السورية، لما له من انعكاسات مباشرة على الأمن الأوروبي، وملف الهجرة، ومكافحة الإرهاب، وأمن شرق البحر المتوسط. ومن هذا المنطلق، فإن الزيارة تعكس قناعة متنامية لدى عدد من العواصم الغربية بأن سياسة المقاطعة لم تعد تحقق أهدافها، وأن الحوار والانخراط السياسي قد يكونان أكثر جدوى في دعم الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
كما أن استقبال الرئيس الفرنسي في دمشق يحمل دلالة رمزية كبيرة، إذ يؤكد أن سوريا بدأت تستعيد تدريجياً موقعها على الخريطة الدبلوماسية الدولية، وأن مرحلة الانفتاح السياسي قد بدأت تتبلور، ولو بصورة تدريجية ومحسوبة. فالرمزية في العلاقات الدولية كثيراً ما تسبق القرارات الكبرى، وتكون مقدمة لتحولات سياسية واقتصادية أوسع.
غير أن هذه الزيارة، على أهميتها، لا تعني أن سوريا بلغت بالفعل مرحلة الاستقرار الكامل. فما زالت البلاد تواجه تحديات أمنية واقتصادية وسياسية كبيرة، وما زالت عملية إعادة الإعمار تتطلب استثمارات هائلة، وإصلاحات مؤسساتية، وترسيخ الأمن وسيادة القانون. ولذلك فإن الزيارة ينبغي أن تُقرأ باعتبارها بداية مسار، لا نهاية له، وإشارة إلى وجود استعداد دولي لمنح سوريا فرصة جديدة إذا نجحت في تثبيت الاستقرار الداخلي وتعزيز دولة المؤسسات واحترام التعددية الوطنية.
ومن الزاوية الاقتصادية، فإن أي انفتاح أوروبي على دمشق يحمل في طياته فرصاً واعدة. فالشركات الأوروبية تمتلك خبرات واسعة في مجالات البنية التحتية والطاقة والنقل والاتصالات والتعليم والصحة، وهي قطاعات تحتاجها سوريا بصورة ملحة. وإذا تطور هذا الانفتاح إلى شراكات فعلية، فقد يشكل ذلك بداية لمرحلة إعادة إعمار شاملة تسهم في تحريك عجلة الاقتصاد، وخلق فرص العمل، واستعادة جزء من الحياة الطبيعية التي افتقدها السوريون طوال سنوات الحرب.
غير أن الحديث عن نهضة كبرى في دمشق يبقى رهناً بجملة من العوامل، أبرزها استمرار الاستقرار الأمني، وتوافر بيئة قانونية جاذبة للاستثمار، وإزالة أو تخفيف القيود التي تعوق اندماج الاقتصاد السوري في الأسواق العالمية. فالنهضة لا تصنعها الزيارات وحدها، بل تصنعها السياسات الرشيدة، والإدارة الكفوءة، والثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع، وبين سوريا وشركائها الدوليين.
أما على المستوى الجيوسياسي، فإن من الصعب تصور قيام دولة أوروبية كبرى بهذه الخطوة دون إدراكها لطبيعة التوازنات الدولية، وفي مقدمتها الموقف الأميركي. وهذا لا يعني بالضرورة وجود تأييد أميركي كامل لكل تفاصيل الانفتاح الأوروبي، لكنه قد يعكس وجود هامش سياسي يسمح للدول الحليفة لواشنطن باستكشاف مسارات جديدة للتعامل مع دمشق، في إطار رؤية أوسع تهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي وخفض بؤر التوتر. فالعلاقات الدولية لا تُدار بمنطق الموافقات العلنية دائماً، بل كثيراً ما تتحرك ضمن تفاهمات سياسية غير معلنة تراعي مصالح مختلف الأطراف.
ومن هنا، فإن الزيارة قد تعكس أيضاً إدراكاً غربياً متزايداً بأن استقرار سوريا يخدم الأمن الإقليمي والدولي، وأن استمرار الفوضى يهدد الجميع، سواء عبر موجات النزوح، أو تنامي التنظيمات المتطرفة، أو اتساع رقعة الأزمات الإنسانية. لذلك، فإن دعم استقرار سوريا أصبح، بالنسبة لكثير من القوى الدولية، جزءاً من حماية مصالحها الاستراتيجية، وليس مجرد موقف تضامني مع الشعب السوري.
ويبقى مستقبل سوريا مرتبطاً بقدرتها على استثمار هذه اللحظة التاريخية. فإذا استطاعت القيادة السورية تحويل الانفتاح السياسي إلى إصلاحات حقيقية، وتعزيز المصالحة الوطنية، واستقطاب الاستثمارات، وبناء مؤسسات حديثة، فإن البلاد قد تدخل بالفعل مرحلة جديدة عنوانها التعافي والنمو واستعادة دورها العربي والإقليمي. أما إذا بقيت التحديات الداخلية دون معالجة، فإن الزخم الدبلوماسي وحده لن يكون كافياً لتحقيق التحول المنشود.
إن زيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى دمشق ليست مجرد حدث بروتوكولي، بل هي رسالة سياسية تحمل دلالات متعددة، أبرزها أن سوريا بدأت تستعيد تدريجياً مكانتها الدولية، وأن المجتمع الدولي أصبح أكثر استعداداً لاختبار مرحلة جديدة من العلاقات معها. وهي، في الوقت نفسه، تفتح باباً واسعاً أمام احتمالات التعاون الأوروبي وإعادة الإعمار والانفتاح الاقتصادي، من دون أن تلغي حقيقة أن الطريق نحو الاستقرار الكامل ما يزال يتطلب جهداً سورياً كبيراً وإرادة سياسية مستدامة. وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، تبدو هذه الزيارة علامة على أن دمشق عادت إلى دائرة الاهتمام الدولي، وأن مستقبلها سيُرسم بقدر ما تنجح في تحويل الفرص الدبلوماسية إلى إنجازات سياسية واقتصادية تعيد إليها دورها التاريخي ومكانتها بين الأمم.
المحامي أسامة العرب