بقلم بديع يونس
«أساس ميديا»
يجتمع رأس الدولة ورأس الحكومة على أنّ مسألة سلاح “الحزب” “شأن داخليّ” يقرّره الأفرقاء اللبنانيّون، وأسمعا هذا الكلام لمستشار المرشد الإيراني علي لاريجاني في زيارته الأخيرة، فشحب وجهه وعبس جبينه بالتماسه أنّ “زمن الأوّل تحوّل” ويواجه اليوم سلطة سياديّة جدّيّة في بيروت لم تعتَدها طهران بعد. بالموازاة، وعلى أرض الواقع تبقى مسألة السلاح مختلفة، فمقاربة هذا الملفّ بشكل لبنانيّ صرف كان ليكون واقعيّاً لو أنّ الطرف الآخر سيّد قراره ويؤثر لبنان وشعبه (من ضمنهم مناصروه) على المصلحة الإيرانية.
ليس الخلاف اليوم على استراتيجية لبنان الدفاعيّة بين الدولة و”الحزب” وجدوى سلاح “الحزب” في تحقيق مصلحة لبنان، بل على دولة تسعى إلى حصر السلاح بيدها لاستعادة مفتاح قرار السلم والحرب. أثبتت “حرب الإسناد” الأخيرة، وقرار المشاركة فيها الذي اتّخذته إيران ودفع ثمنه لبنان وأهالي الجنوب والبقاع وبيروت، أنّ هذا السلاح غير ناجع عسكريّاً بوجه إسرائيل ولا وطنيّاً لأنّه لا يخدم مصلحة لبنان، إذ استجلب الدمار والحرب وكان ذريعة للعدوّ لتحقيق أهدافه. على الرغم من الإثبات الملموس ذاك، لا يزال “الحزب” يؤكّد على لسان أمينه العامّ نعيم قاسم أن “لا تسليم للسلاح”. بالتالي لا بدّ من إلقاء نظرة على ما يجري في إيران لاستنباط مصير هذا السلاح. يبدو أنّه حين ترعد السماء في طهران نسمع صداها في الضاحية الجنوبية.
خلافات على التّفاوض مع “الشيطان الأكبر”
تصدّى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بحدّة غير معهودة للتيّار المتشدّد. ففي لقاء مباشر جرى أخيراً مع وسائل الإعلام الإيرانية، وردّاً على تهجّم مدير تحرير صحيفة “كيهان” المحافظة حسين شريعتمداري الذي اشتكى من ميل موجود لدى الحكومة للتفاوض مع الولايات المتّحدة، ردّ الرئيس بزشكيان: “إذا لم نتفاوض، فماذا يجب أن نفعل؟ هل هناك طريق آخر غير الحرب؟ والطرف الآخر يهدّد بالقصف مجدّداً، قولوا أنتم ماذا نفعل؟”.
في صباح اليوم التالي، وفي افتتاحية “كيهان”، انتقد حسين شريعتمداري (المحسوب على مطبخ المرشد) بزشكيان وبعض المسؤولين قائلاً إنّ “إيران أجبرت أميركا وإسرائيل على طلب وقف النار، وباتت أميركا تتوسّل المفاوضات والرئيس وقع في فخّ المعادلة المزيّفة”، وتابع: “علينا ألّا نعود للمفاوضات”.
يبدو أنّ حدّة الخلافات الداخلية في تصاعد.
تراجع بزشكيان عن “الصمود” بعدما كان قد توجّه سابقاً إلى ترامب بالقول: “اضرب وسنعيد بناءها”، معتبراً أنّه “لو أعدنا بناء المنشآت النووية فسيضربها مجدّداً”، عاكساً بذلك الرؤية الرسمية المتخبّطة للحالة الإيرانية التي تُظهر أنّ إيران ما بعد الحرب الأخيرة لن تكون نفسها قبل الحرب.
واجهت هذه التصريحات عاصفة من الانتقادات الحادّة من قبل المحافظين والحرس الثوري الذين اعتبروا أنّه “حين تحدّد أميركا سقف المفاوضات مسبقاً فهل يمكن للمفاوضات أن تحمل معنى آخر غير الاستسلام؟”. واتّهمت وكالة تسنيم التابعة للحرس الثوري “الرئيس بإظهار الضعف الذي يضرّ بالمصلحة الوطنية”، وطالب نوّاب “بوجوب تنحية الرئيس لعدم امتلاكه الكفاءة”.
في سبيل عرقلة أيّ مسعى يقوم به بزشكيان، ولمنعه من العودة إلى المفاوضات واتّخاذ أيّ موقف مرن يحمي به ما بقي من النظام، انهالت تصريحات المتشدّدين المليئة بالتحدّي والتهديدات العسكرية.
في المقابل، وفي خطوة لافتة، دعت “جبهة الإصلاحات”، وهي أعلى هيئة تنسيقيّة للأحزاب المؤيّدة للرئيس بزشكيان والمؤلّفة من 30 حزباً وتكتّلاً سياسيّاً إصلاحيّاً، إلى “وقف تخصيب اليورانيوم طوعاً”، وقبول رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرّية مقابل رفع العقوبات. وكشفت الجبهة عن خريطة طريق عاجلة للقيام بإصلاحات هيكليّة في مجالَي السياستين الداخليّة والخارجيّة، مطالبةً بتحقيق المصالحة الوطنية ووقف حالة العداء.
جولة لاريجاني.. بين المخاطر الدّاخليّة وتضعضع الأذرع
بعد حرب الـ12 يوماً، وما تلاها من تخبّط داخليّ على الصعيدين العسكري والسياسي، لا تزال إيران تسعى إلى لملمة أوراقها. فطهران كما تل أبيب تعلمان أنّ جولة 13 حزيران لم تكن الأخيرة. من العراق إلى لبنان، تخشى إيران على أذرعها التي تستغلّها كورقة ضغط دوليّة. تدرك تمام الإدراك حالة الارتباك والتضعضع الواقع فيها “الحزب” عسكريّاً.
بالموازاة، تخشى إيران على “الحزب” مع تخلّي الحلفاء عنه تباعاً، من كرامي وميقاتي وباسيل وإرسلان ووهّاب وفرنجيّة، وأمّا “الأخ الأكبر” الرئيس نبيه برّي فتعلم طهران تماماً أنّ ولاءه لبنانيّ لا إيرانيّ. وفي ظلّ كلّ ذلك، تدبّر مطبخ المرشد زيارة عاجلة كلّف بها لاريجاني.
التّضحية بطائفة وباللّبنانيّين
لم تتدخّل إيران طوال “حرب الإشغال والإسناد” لدعم “الحزب” ونأت بنفسها عنه، تماماً كما فعلت مع “حماس” وغزّة. أمّا اليوم، وعلى مذبح المفاوضات فمستعدّة لاستغلال “الحزب” وسلاحه ووجوده على الحدود الجنوبية مع إسرائيل لإعادة مسك بعض أوراق الضغط التي فقدتها من جرّاء حرب الأيّام الـ 12 التي أفقدتها الردع وأظهرت عيوبها الأمنيّة والعسكرية والتنظيمية القاتلة.
تمانع إيران أن يسلّم “الحزب” سلاحه إلى الدولة اللبنانية من دون أن تستطيع “تقريش” هذا التنازل لمصلحتها على طاولة المفاوضات مع واشنطن.
تعلم طهران حقيقة أنّها خسرت، لكنّها تراهن على عدم “طول صبر” الرئيس ترامب صاحب الشخصيّة “المستعجلة لحلّ الأزمات وإقفال الملفّات”، ولذلك تحاول إطالة الوقت كورقة ضغط بوجه واشنطن، وبوجه الترويكا الأوروبية المحكومة بقرب انتهاء مدّة تفعيل “آليّة الزناد” قبل 18 تشرين الأوّل المقبل.
عندئذٍ دفع لاريجاني بـ”الحزب” إلى التصلّب بعد إشارات التعامل مع مبدأ حصر السلاح بيد الدولة، فارتفعت النبرة وعلا الصراخ وتوقّفت لغة الواقعيّة وحلّت محلّها شعارات أيديولوجيّة غيبيّة ماورائيّة لا تُصرف على أرض الواقع.
مقارنة بين السّلاح والدّبلوماسيّة
لطالما برّر “الحزب” تمسّكه بالسلاح تحت شعار ضعف الجيش، وأنّ السلاح هو السبيل الوحيد لاستعادة الأرض ولتشكيل الردع بوجه إسرائيل. أمّا الجيش فأثبت في معارك نهر البارد وفي فجر الجرود وفي شرقي صيدا قدراته العالية وكفاءته، ولا يزال يؤكّدها حتّى إنّ رئيس الجمهورية ردّ على من يشيع أخباراً عن انقسام الجيش بأنّ “الجيش منتشر في جميع المناطق، ويقوم بمهامّه بكفاءة”، ولا ضرورة للتذكير بأنّه يتولّى جمع السلاح في جنوب الليطاني بمهارة وبوطنيّة عالية.
منذ عقود، لم نشهد أيّ أثر استراتيجيّ للسلاح الإيراني في لبنان، بل تحمّل اللبنانيّون عامّة والجنوبيّون خاصّة الخراب والدمار والمآسي والتهجير، فيما أحداث 7 أيّار لا تغيب عن الأذهان.
ثمار الدبلوماسيّة
وقف توم بارّاك على باب الرئيس برّي ليعلن أنّ “الجميع يسير بالاتّجاه الصحيح” بعدما كان برّي قد أعلن أن “لا حرب أهليّة في لبنان”، وأكّد نعيم قاسم أنّ “الحزب وحركة أمل اتّفقا على تأجيل التحرّكات في الشارع”.
بالطبع توم بارّاك يعني فيما يعنيه “بالجميع” الحزب أيضاً وإسرائيل.
ربّما من المرّات النادرة التي تمارس فيها واشنطن ضغوطاتها على تل أبيب، ليس فقط لحماية الحكومة اللبنانية وتقويتها وشدّ أزرها، بل أيضاً لتعزيز الاستراتيجية الأميركية من بغداد إلى لبنان، وتحديداً دعم الحكم الجديد في سوريا وتعزيز قدراته وتحفيزه بوجه مساعي إيران الخبيثة للعودة إلى سوريا.
المعركة كما في لبنان كذلك في سوريا والعراق. فالسلاح الإيراني هدّد ولا يزال يهدّد مستقبل تلك العواصم، وبوجهه تعلو أصوات شيعية معارضة تطالب بحصر السلاح بيد الدولة الحامية للجميع من دون استثناء.
ولكن.. متى تلبّدت أجواء طهران لسبب ما، يعلو صراخ قادة الضاحية الجنوبية ترداداً لمشيئة العاصمة الإيرانية. فهل يؤثر “الحزب” لمرّة لبنان على إيران في هذه المرحلة التاريخية والمفصليّة من التاريخ الحديث، أم ينتظر الضوء الأخضر من طهران متى “تقرّش” هذا السلاح لمصلحتها ترمي بـ”الحزب” وسلاحه في توقيت يلائمها؟
بديع يونس