كتبت ريتا شمعون
في لبنان، لم يعد السؤال الحقيقي: كم يبلغ راتبك؟
السؤال الأكثر صدقًا هو: كم تحتاج كي تعيش حياة عادية؟
وهنا تبدأ المعضلة، التي يشرحها الأستاذ جوزف نخله الخبير في التكنولوجيا والتحوّل التربوي وتنمية الابتكار في حديث خاص لجريدة ” الشرق” قائلاً:
إذا اعتبرنا أن نحو ألف دولار شهريًا هو مستوى تقريبي يسمح لعائلة صغيرة بأن تعيش حياة شبه عادية، من دون ترف، ومن دون إسراف، وإنما مع الحد الأدنى من السكن والطعام والنقل والتعليم والكهرباء والماء والطبابة والاتصالات وبعض المصاريف الطارئة، فإننا نكون أمام فجوة هائلة بين كلفة الحياة وبين الدخل.
فالحد الأدنى الرسمي للأجور في القطاع الخاص يبلغ 28 مليون ليرة، أي ما يقارب ثلاثمئة دولار وفق أسعار الصرف المتداولة في المصادر الحديثة.
أي أن المواطن الذي يعمل شهرًا كاملًا، ويقبض الحد الأدنى، لا يحصل حتى على ثلث الألف دولار التي يمكن أن تشكل، وفق هذا المعيار المعيشي التقريبي، مدخلًا إلى حياة شبه عادية.
ويضيف نخله، هنا لا تعود المشكلة مشكلة راتب فقط، بل مشكلة معادلة حياة كاملة، سائلاً:
كيف تستطيع عائلة أن تدفع إيجار منزل، وكهرباء الدولة، واشتراك المولد أو الطاقة البديلة، ومياهًا، ومحروقات، وطعامًا، واتصالات، وأقساط مدرسة، ودواءً، وطوارئ صحية، ومصاريف يومية لا تتوقف؟
وكيف يمكن لراتب لا يتجاوز بضع مئات من الدولارات أن يتحمل هذه القائمة الطويلة من الالتزامات؟
والمشكلة أن الفاتورة اللبنانية لم تعد فاتورة واحدة، إنها مجموعة فواتير تتكاثر كأنها قدر يومي:
فاتورة البيت، فاتورة الكهرباء، فاتورة الماء، فاتورة المحروقات، فاتورة المدرسة، فاتورة الطبابة، فاتورة الهاتف، فاتورة الدولة، وفوق كل ذلك فاتورة الأزمة نفسها.
والأخطر أن الأسعار لا تمنح المواطن فرصة لالتقاط أنفاسه، مشيرا الى ان مؤشر أسعار المستهلك في لبنان يسجل ارتفاعًا سنويًا، بلغ 16.66% في آب 2026، بعد ارتفاع شهري إضافي بنسبة 1.4%.
ويلفت نخله في حديثه الى الطبقة الوسطى، التي كانت تاريخيًا صمام الأمان الاجتماعي، فقد وجدت نفسها أمام معادلة قاسية: جزء منها يهبط تدريجيًا نحو الفقر، وجزء آخر يحاول البقاء واقفًا عبر الاستدانة، أو العمل الإضافي، أو المساعدات العائلية، أو تحويلات المغتربين.
والأهم من ذلك، أنه لم تعد الأزمة الاقتصادية تقسم اللبنانيين ببساطة إلى أغنياء وفقراء، لقد بدأت تقضم الطبقة الوسطى نفسها، والطبقة الوسطى عندما تذوب، لا يخسر المجتمع المال فقط، بل يخسر توازنه.
في المقابل، ومن يوميات الحياة في لبنان، هناك شركات تعيش يومها بيومه، موضحا:
صاحب المؤسسة لا يعرف فقط كيف يزيد مبيعاته؛ بل كيف يستطيع دفع الرواتب آخر الشهر. كيف يؤمن السيولة؟ كيف يحافظ على موظفيه؟ كيف يدفع الإيجار والضرائب والاشتراكات والطاقة؟ وكيف يرفع الأجور من دون أن يرفع أسعار خدماته أو يخسر قدرته على المنافسة؟
إنها معادلة شديدة التعقيد، وفق نخله، حيث يرى أن رفع الأجور ضرورة اجتماعية، لكن رفعها من دون معالجة كلفة الإنتاج والضرائب والطاقة والتمويل قد يضغط على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة. وفي المقابل، إبقاء الأجور منخفضة يعني أن الموظف نفسه يتحول إلى مشروع أزمة دائم.
وفي هذه الحال، يصبح رب العمل مرهقًا، والموظف مرهقًا، والمستهلك مرهقًا، والدولة تبحث عن الإيرادات، فيما الاقتصاد كله يعمل فوق أرض غير مستقرة.
ويلفت الى ان صندوق النقد الدولي، في تقييمه الأخير في أيلول 2026، أشار إلى أن النشاط الاقتصادي متوقع أن ينكمش بشكل كبير خلال هذا العام في لبنان ، وأن التضخم لا يزال في خانة العشرات، فيما تضغط تكاليف الطاقة والتطورات الأمنية على الاقتصاد ومستويات المعيشة.
أما البنك الدولي، فيرى أن التصعيد العسكري خلال 2026 أعاد الاقتصاد اللبناني إلى دائرة الانكماش، ويتوقع انكماش الناتج المحلي بنسبة 6.4% هذا العام.
وقال نخله، نحن أمام مؤشرات اقتصادية واجتماعية تقول إن قدرة الناس على الاحتمال تتآكل.
لكن هناك شيء آخر أكثر خطورة، هو الانتظار:
لقد أصبح اللبناني ينتظر.
ينتظر الراتب.
ينتظر الكهرباء.
ينتظر الماء.
ينتظر تحسن الوضع الأمني.
ينتظر حل الأزمة المصرفية.
ينتظر الإصلاحات.
ينتظر الانتخابات.
ينتظر المساعدات.
ينتظر الدولار.
ينتظر عودة السياحة.
ينتظر أن تتحسن أوضاع أولاده.
ينتظر أن يتمكن من استعادة أمواله.
وينتظر، في نهاية المطاف، أن تبدأ الدولة بالعمل كدولة.
ولأن الانتظار طال، بدأ يتحول من حالة مؤقتة إلى ثقافة معيشية
وهذه ربما أخطر نتائج الأزمات الطويلة: أن يعتاد الإنسان على ما كان يعتبره غير طبيعي.
يعتاد انقطاع الكهرباء.
يعتاد ارتفاع الأسعار.
يعتاد الهجرة.
يعتاد غياب الخدمات.
يعتاد أن يكون له عملان وثلاثة أعمال.
يعتاد أن يساعد الأب ابنه بعد أن يفترض أن يكون الابن قد أصبح قادرًا على إعالة نفسه.
ويعتاد أن يسمع عبارة: «إن شاء الله تتحسن».
حتى يصبح الأمل نفسه مؤجلًا إلى أجل غير مسمى.
لكن إلى متى يستطيع المواطن أن ينتظر؟
وهل نحن أمام انفجار اجتماعي؟
يجيب نخله، هنا تقع مسؤولية الدولة أولًا، مضيفا: ليس المطلوب من الدولة أن توزع الأموال على الناس إلى ما لا نهاية، المطلوب دولة تجعل العمل مجديًا، والاستثمار ممكنًا، والمؤسسة قادرة على الاستمرار، والضريبة عادلة، والخدمة العامة فعلًا، والقانون واحدًا، والإنفاق قابلًا للمساءلة.
لكن الدولة اليوم تعجز عن تأمين الخدمات الأساسية، يضطر المواطن إلى شرائها مرتين وثلاثًا، حيث يدفع للبلدية، ويدفع لمزود المياه، ويدفع للمولد، ويدفع للمدرسة، ويدفع للطبابة، ويدفع الضرائب والرسوم، ثم يسأل نفسه: ماذا بقي من الدولة التي أدفع لها؟
أما الأحزاب والقوى السياسية، يرى نخله، أن مسؤوليتها ليست أقل، مؤكدا ان المواطن لا يحتاج في هذه المرحلة إلى المزيد من الخطابات التي تشرح له لماذا هو متألم. ولا يحتاج إلى من يطلب منه الصبر إلى ما لا نهاية، لقد صبر كثيرًا.
المواطن اللبناني اليوم يحتاج إلى مشروع اقتصادي واجتماعي واضح، وإلى إصلاحات قابلة للتنفيذ، وإلى حماية اجتماعية حقيقية، وإلى مؤسسات تعمل، وإلى إجابات عن سؤال بسيط جدًا:
كيف سنعيش؟
والسؤال الأصعب، ما هو الثمن الذي يدفعه لبنان نتيجة ارتباط أزماته بالتجاذبات الإقليمية والدولية؟
يؤكد نخله، أنه من حق اللبناني أن يسأل عن الفواتير التي يدفعها، وعن الاستحقاقات التي تتراكم عليه، وعن مصالح القوى الخارجية في المنطقة.
لكن الإجابة المسؤولة لا تكون بنظريات المؤامرة ولا باتهام جهة أجنبية بعينها من دون أدلة.
وتابع، أن السياسة الدولية تتحرك وفق مصالح وأمن ونفوذ واقتصاد وحسابات استراتيجية، واللبناني من حقه أن يعرف، بقدر ما تسمح به الحقائق، ما الذي يُطلب من بلده، وما الذي يحصل عليه في المقابل، ومن يتحمل الكلفة؟
فالوطن ليس ورقة تفاوض، بحسب نخله، والإنسان ليس رقمًا في حسابات النفوذ، والجندي ليس مجرد رقم في معادلة أمنية، والشاب اللبناني الذي يفكر في الهجرة ليس مجرد إحصاء.
والعائلة التي تخفض استهلاكها من الطعام لتدفع قسط المدرسة ليست مجرد «قدرة شرائية».
هذه حياة ناس، وهذه أحلام، وهذه أجيال.
ويسأل نخلة، من سيدفع ثمنها إذا استمرت؟
ومن سيدفع ثمن انهيار التعليم؟
من سيدفع ثمن هجرة الأطباء والمهندسين وأصحاب الاختصاص؟
من سيدفع ثمن إغلاق المؤسسات؟
من سيدفع ثمن تآكل الطبقة الوسطى؟
من سيدفع ثمن فقدان الشباب ثقتهم ببلدهم؟
ومن سيدفع ثمن مجتمع يعيش على المساعدات والتحويلات بدل أن يعيش على اقتصاد منتج؟
وفي كل ذلك، يبقى المواطن اللبناني في مكانه، يعمل، يدفع، ينتظر، ثم يدفع أكثر.
وكأن الرسالة التي تصله كل يوم هي:
” حمول يا مواطن… وقدّيه فيك تحمل، يا مواطن المعتر؟”
لكن السؤال الذي يجب أن يصل إلى كل من يملك قرارًا في هذا البلد هو:
إلى أي حد يستطيع المواطن أن يحمل؟
ويرى ان الخطر الحقيقي، ليس في أن اللبناني فقير، ولا في أن راتبه أقل من حاجاته، ولا في أن الأسعار ارتفعت.
الخطر هو أن يتحول اليأس إلى اعتياد، والانتظار إلى أسلوب حياة، والهجرة إلى حلم، والدولة إلى فكرة بعيدة، والوطن إلى مكان نحبه من بعيد.
فلبنان لا يحتاج إلى مزيد من الوعود، يحتاج إلى أن يستعيد المعنى البسيط جدًا لكلمة «حياة».
أن يعمل الإنسان فيعيش.
أن يتعلم ابنه فيبقى.
أن يمرض فيتعالج.
أن يدفع ضريبته فيرى مقابلها خدمة.
أن يعمل في مؤسسة فتستمر المؤسسة.
وأن ينظر إلى الغد، فلا يضطر إلى السؤال كل ليلة:
ماذا سنفعل غدًا؟
فقد تعب اللبناني من الانتظار.
وربما حان الوقت كي ينتظر اللبناني شيئًا مختلفًا:
وأن يبدأ وطنه بالعمل من أجله.