نهاية الأطلسيّ.. وولادة عالم مشتعل

بقلم محمد السماك

«أساس ميديا»

يقف العالم اليوم أمام مرحلة بالغة الخطورة من إعادة تشكيل التحالفات السياسيّة والعسكريّة، في ظلّ تراجع الثقة بين ضفّتَي الأطلسيّ، وتصاعد المواجهة بين القوى الكبرى من أوروبا إلى شرق آسيا والشرق الأوسط. وبين طموحات واشنطن المتغيّرة وحسابات موسكو وبكّين، يواجه حلف شماليّ الأطلسيّ اختباراً مصيريّاً قد يهدّد وجوده ودوره التاريخيّ. فهل نحن أمام نهاية نظام التحالفات الذي حكم العالم منذ الحرب العالميّة الثانية، أم أمام ولادة نظام دوليّ جديد قد يجعل الحرب الشاملة أقرب من أيّ وقت مضى؟

مع بداية الحرب الباردة في عام 1949 وُلد حلف شماليّ الأطلسيّ. وبعد 75 سنة على ولادته يواجه الحلف اليوم تحدّيات تتعلّق بمصيره واستمراره. وربّما أهمّ تحدٍّ ينتظره هو وصول ماري لوبان إلى الرئاسة الفرنسيّة. ذلك أنّ وصولها يتكامل مع نيّات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بتوجيه ضربة قاضية للحلف.

تلقّى الحلف عدّة ضربات موجعة حتّى الآن. لكنّها لم تكن ضربات قاتلة. أهمّها الحرب الأوكرانيّة. ويقف الحلف الآن أمام تحدّيات موجعة أهمّها:

1 ـ الصراع الصينيّ – الأميركيّ على تايوان التي تعتبرها الصين جزءاً من الوطن الأمّ.

2 ـ التنافس السياسيّ والعسكريّ الأميركيّ – الصينيّ على الهيمنة على الفيليبين التي سبق أن احتلّتها الولايات المتّحدة وجعلت منها مستعمرة وقاعدة عسكريّة متقدّمة في شرق آسيا.

3 ـ تحوّل الصراع السياسيّ إلى صراع عسكريّ في الشرق الأوسط بين الولايات المتّحدة وإيران.

4 ـ تطوّر التحالف العسكريّ بين روسيا وكوريا الشماليّة بعد أن اختلط الدم الروسيّ بالكوريّ في أوكرانيا. ولا تقف هذه التطوّرات بين روسيا وكوريا الشماليّة عند هذا الحدّ، لكنّها تتطوّر إلى احتمال إقامة حلف سياسيّ – عسكريّ مشترك يشكّل تحدّياً لحلف شماليّ الأطلسيّ.

وصيّة واشنطن المنسيّة

في عام 1796 حذّر الرئيس الأميركيّ آنذاك جورج واشنطن (الذي تحمل العاصمة الأميركيّة اسمه) من التورّط في إقامة تحالفات مع دول ضدّ دول أخرى. غير أنّ الولايات المتّحدة تعقد الآن تحالفات عسكريّة وسياسيّة مع 60 دولة في العالم. وبموجب هذه التحالفات فإنّها معنيّة أو ملزَمة بالدفاع عن حوالي 25 في المئة من شعوب العالم وعن 65 في المئة من الدخل العالميّ.

تكمن خطورة هذه الالتزامات في أنّها أصبحت التزامات دستوريّة. ثمّ إنّ المادّة الخاصّة من وثيقة حلف شماليّ الأطلسيّ تقول إنّ أيّ اعتداء على أيّ دولة من دول الحلف يُشكّل اعتداءً عليها جميعاً. وهذا يعني أنّ الولايات المتّحدة ملتزمة بالدفاع عن أيّ دولة أوروبيّة عضو في الحلف من تركيا في الشرق، مروراً بإسبانيا والبرتغال والسويد والنرويج وفنلندا والدانمارك، وصولاً إلى دول حوض البحر المتوسّط في الجنوب (إيطاليا واليونان).

منذ أن تولّى الرئاسة الأميركيّة للمرّة الأولى، لم يبدِ الرئيس دونالد ترامب ودّاً نحو دول الحلف، أو الحلف ذاته. هدّد مراراً بالانسحاب من عضويّته، لكنّه كان يتراجع في كلّ مرّة محافظةً على الحدّ الأدنى من العلاقات الأميركيّة – الأوروبيّة. مع ذلك يحاول الرئيس ترامب استفراد الدول الأوروبيّة بعقد تحالفات مع كلّ واحدة منها منفردة. هذا المخطّط نجح في آسيا. كما أقامت الولايات المتّحدة تحالفات عسكريّة ثنائيّة مع كلّ من أستراليا ونيوزيلندا، وكذلك مع اليابان وكوريا الجنوبيّة والفيليبين، رغم أنّ العلاقات البينيّة بين هذه الدول ليست على ما يرام. بل ثمّة صراعات حادّة بينها كمثل ما هو قائم بين اليابان وكوريا، وحتّى بين الفيليبين وتايلند.

من هنا السؤال: هل يحقّق هذا النوع من التحالفات الاستقرار الدوليّ أو يستفزّ الدول المعنيّة للدخول في مواجهات عسكريّة وحربيّة؟ ثمّ إلى أيّ حدّ يمكن أن تضحّي الولايات المتّحدة بمصالحها للدفاع عن حلفائها سواء في أوروبا أو في آسيا؟

جسر واشنطن–موسكو.. وأوروبا تدفع

يُنقل عن الرئيس الفرنسيّ الأسبق شارل ديغول قوله إنّه “لن يضحّي بنيويورك من أجل باريس”. ولذلك حاول ديغول فكّ الارتباط العسكريّ مع الولايات المتّحدة والعمل على إقامة حلف أوروبيّ مستقلّ عن كلّ من موسكو وواشنطن معاً. لكنّ جهوده باءت بالفشل.

اليوم لا ترى الولايات المتّحدة بقيادة الرئيس ترامب أنّ ثمّة جدوى من حلف شماليّ الأطلسيّ. وقد تجاوزته إلى مدّ جسر مباشر بين البيت الأبيض والكرملين لوقف الحرب في أوكرانيا من خلال تسوية سياسيّة بين موسكو وكييف بعيداً عن أيّ دور أوروبيّ.

كلّفت الحرب الأوكرانيّة حتّى الآن أكثر من 300 مليار دولار. تحمّلت الدول الأوروبيّة وحدها أكثر من 60 في المئة منها. إلّا أنّ الحرب ما كانت لتستمرّ لولا السلاح الأميركيّ ولولا الاستخبارات الإلكترونيّة الأميركيّة التي كانت تدعم القوّات الأوكرانيّة. ولذلك يشكّل الالتفاف الأميركيّ على المجموعة الأوروبيّة والتوجّه المباشر لوضع نهاية للحرب مع الكرملين ضربة قاضية لحلف شماليّ الأطلسيّ، وبالتالي للثنائيّة الأميركيّة – الأوروبيّة التي خرجت من رحم الحرب العالميّة الثانية.

حقل يابس ينتظر شرارة

مع ترهّل حلف شماليّ الأطلسيّ في مسقط رأسه أوروبا ينبثق حلف جديد بقوّة في شرق آسيا، وهذه المرّة أيضاً تحت المظلّة الأميركيّة. وتشمل التحالفات هناك الولايات المتّحدة مع أستراليا التي تمّ تزويدها بغوّاصات نوويّة (أوكوس)، وهي غوّاصات من صناعة بريطانيّة.

كما أنّها زوّدت اليابان بمظلّة دفاع ضدّ الصواريخ التي قد تُطلق عليها من كوريا الشماليّة في حال انفجار حرب إقليميّة في شرق آسيا أو دوليّة. فالعالم يبدو بكلّ قارّاته مثل حقل يابس ينتظر شرارة واحدة لإشعاله.

التداخل بين جبهتَي أوروبا والشرق الأقصى تحت المظلّة الأميركيّة ليس تداخلاً شكليّاً أو سياسيّاً فقط، لكنّه تداخل أمنيّ – عسكريّ عميق أيضاً. فاليابان تطالب باسترجاع عدد من الجزر التي احتلّتها روسيا أثناء الحرب العالميّة الثانية مستغلّة ما يبدو أنّه حالة ضعف يمرّ بها الكرملين، أو استجابةً لتحريض أميركيّ يمكن استخدامه ورقة في المساومة التي تجري على قدم وساق بين الكرملين والبيت الأبيض.

كذلك أستراليا وكوريا الجنوبيّة تزوّدان أوكرانيا بالسلاح والذخيرة. وفي ما يبدو أنّه تعاطف أو تحالف مع تايوان، فإنّ عدداً من الدول الأوروبيّة الأعضاء في الحلف الأطلسيّ تطالب الصين بحرّيّة الملاحة في مضيق تايوان التي تعتبرها الصين جزءاً من الوطن الأمّ ويقع بحكم ذلك المضيق داخل المياه الإقليميّة الصينيّة.

سؤال النّوويّ المعلّق

أمام هذه الصورة “السورياليّة” لخريطة التحالفات والتحالفات المعاكسة في أوروبا وشرق آسيا، ترتفع علامة استفهام كبيرة حول دور السلاح النوويّ الذي هدّدت روسيا أكثر من مرّة باستخدامه في أوكرانيا إذا اضطرّت إلى ذلك.

هناك دولتان أوروبيّتان فقط تملكان السلاح النوويّ هما فرنسا وبريطانيا. الأولى تعرض نفسها حامية نوويّة لأوروبا، وتربط الثانية دورها النوويّ بالولايات المتّحدة.

عرضت فرنسا على الدول الأوروبيّة حمايتها نوويّاً إذا تخلّت الولايات المتّحدة عن هذا الدور. وهو تخلٍّ طالما هدّد به علناً وبصوت عالٍ الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. وقد نزلت هذه التهديدات الأميركيّة برداً وسلاماً على قلب الكرملين وسيدّه الرئيس فلاديمير بوتين.

من هنا خطورة ما يحدث في الشرق الأوسط، وخاصّة في منطقة الخليج العربيّ بين إيران من جهة وكلّ من إسرائيل والولايات المتّحدة من جهة ثانية. فالانفجار ليس منعزلاً ولا هو منكفئ على ذاته، لكنّه مفتوح على امتدادات العالم شرقاً حتّى الصين، وغرباً حتّى أوروبا والولايات المتّحدة.

يعني هذا الواقع أنّ إطلاق شرارة واحدة كافٍ لإشعال حرب بلا حدود ولا آفاق.

محمد السماك