بقلم د. ابراهيم العرب
ليست كل زيارة رسمية تقاس بعدد اللقاءات التي تُعقد خلالها، ولا بعدد الصور التي تلتقط على هامشها، بل بما تتركه من أثر في صورة الدولة، وفي قدرتها على عرض قضيتها، وفي تحويل حاجاتها الوطنية إلى مسائل تحظى بالاهتمام الدولي. ومن هذه الزاوية تحديداً، يمكن قراءة زيارة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى الولايات المتحدة، بشقّيها في نيويورك وواشنطن، بوصفها محطة مهمة في مسار إعادة تثبيت حضور الدولة اللبنانية على المستويين السياسي والدولي. فقد جاءت الزيارة في لحظة شديدة الحساسية بالنسبة إلى لبنان: الجنوب لا يزال في قلب المعادلات الأمنية، ومسار استعادة السيادة يحتاج إلى ترتيبات سياسية وميدانية، فيما يواجه الاقتصاد اللبناني استحقاقات إصلاحية ومالية لا تحتمل مزيداً من التأجيل. ولذلك لم تكن مهمة رئيس الحكومة محصورة في شرح الموقف اللبناني، بل في محاولة جمع المسارات المختلفة في إطار واحد: سيادة الدولة، وقف الاعتداءات، الانسحاب الإسرائيلي، حصرية السلاح بيد الدولة، دعم الجيش، والإصلاح الاقتصادي والمالي.
ومن هنا تكمن أهمية الانتقال من نيويورك إلى واشنطن. فقد بدأت الزيارة من نيويورك، حيث شارك الرئيس سلام في أعمال الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، وعقد سلسلة واسعة من الاجتماعات مع قادة ومسؤولين دوليين وعرب. ولم تكن هذه اللقاءات هامشية في مضمونها؛ فقد بحث مع رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز مستقبل الوجود الدولي في جنوب لبنان بعد انتهاء مهمة «اليونيفيل»، وأكد ضرورة تفادي أي فراغ دولي في الجنوب ودعم الجيش اللبناني.
كما التقى وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، وبحث معه العلاقات اللبنانية ـ السعودية ومسار تفعيل اللجنة السعودية اللبنانية المشتركة، فضلاً عن الأوضاع الإقليمية والإطار الثلاثي، مع التشديد على ضرورة وجود جدول زمني وآلية للتحقق من تنفيذ الالتزامات.
واللافت أيضاً أن سلام لم يحصر اتصالاته في المحور الغربي أو العربي، بل التقى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، مؤكداً أن لبنان لا يريد أن يكون ساحة لصراعات إقليمية أو لتبادل الرسائل، وأن العلاقات اللبنانية ـ الإيرانية ينبغي أن تقوم على احترام السيادة والاستقلال وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وهذه النقطة تحديداً تعكس فلسفة سياسية واضحة: لبنان يريد أن يتعامل مع محيطه من موقع الدولة، لا من موقع الساحة؛ وأن يبني علاقاته الخارجية على قاعدة الندية والمصلحة الوطنية، لا على قاعدة الاصطفاف في محاور إقليمية متنازعة.
وفي نيويورك أيضاً، شارك سلام في رئاسة اجتماع رفيع المستوى، جمع مسؤولين وممثلين عن دول ومؤسسات دولية ومالية وإنمائية، وكان عنوانه بحد ذاته معبّراً عن الرغبة اللبنانية في الانتقال من إدارة الأزمات إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
وإذا كانت نيويورك قد أتاحت للبنان مساحة واسعة لعرض قضيته أمام المجتمع الدولي، فإن واشنطن نقلت النقاش إلى مستوى أكثر مباشرة، حيث تتقاطع القرارات السياسية مع أدوات التأثير المالي والأمني والدبلوماسي.
وكان اللقاء مع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أحد أبرز عناوين الزيارة. فقد شدد سلام على ضرورة الانتقال إلى مرحلة تفعيل الإطار الثلاثي، وترجمة مبدأي التبادلية والمرحلية إلى خطوات عملية ونتائج ملموسة، بما يقود إلى استعادة لبنان سيادته الكاملة، وتحقيق الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية، وحصر السلاح بيد الدولة على كامل أراضيها. كما طالب بجدول زمني واضح وآلية موثوقة للتحقق من تنفيذ الالتزامات.
والأهم أن هذا الموقف اللبناني لم يأتِ من طرف واحد؛ فقد أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أن روبيو جدد التزام الولايات المتحدة بدعم لبنان في تنفيذ الإطار الثلاثي، وأشاد بجهود حكومة سلام في بسط سلطة الدولة. وهنا تبرز أهمية الزيارة سياسياً: فالمسألة لم تعد مجرد عرض للمطالب اللبنانية أمام واشنطن، بل أصبحت محاولة لوضع هذه المطالب داخل مسار تفاوضي يتطلب آليات تنفيذ وجداول زمنية وضمانات للتحقق.
ولعل أحد أبرز عناصر الزيارة أنها لم تتعامل مع السياسة والأمن بمعزل عن الاقتصاد. فالانهيار اللبناني جعل من الإصلاح المالي والمصرفي جزءاً لا يتجزأ من أي مقاربة دولية لمستقبل لبنان.
يتبع غداً
د. ابراهيم العرب