بقلم فوزي عساكر
رئيس تحرير مجلة «العالمية»
منذ صغري وأنا أسـمع بِما يسمّى لبنان الكبير. ومع صِغَر مساحته يُسمّى كبيرًا… فبحثتُ في خرائط الجغرافيا الورقية والإلكترونية والفضائية، ولم تكن المساحة الجغرافية أكبر من نقطةٍ في مُحيط. أمّا لبنان الكبير، فهو ذاك اللبنان المهاجِر في أربعة أقطار العالم، يرسم الحضارة في الخارج، ويعجز عن رسم دولةٍ ترعى شعبَ هذا اللبنان المقيم، لأنّ أكثرَ حكّامِهِ لم يسمحوا له أن يبني عزّةً على مساحته الجغرافيّة الصغيرة، منذ الاستقلال وفي ما تبقّى من عمرنا القصير.
منذ صغري، وأنا أشاهد دولةً غافية على ألحان بيانات حكومات الوفاق الوطني الفاشلة، وتصحو في كل مناسبة لتنفّذ القانون فقط على مساحة لبنان الصغير، التي تَمتدّ من البترون وحتى ساحة الشهداء في وسط بيروت!
منذ صغري، أسـمعُ بقرارات وتدابير حكومية لا تُطبَّق إلاّ على مساحة لبنان الصغير. فعندنا هُنا تفرض الدولة هيبتها، وتنظّم مَحاضر الضبط بِحقّ مَن لم يلتزم بوضع حزام الأمان أثناء القيادة؛ ومَن تأخّرَ يومًا واحدًا عن تسديد رسوم السير، لأنّ معاشه لم يكفِهِ لشراء الدواء والرغيف؛ ومَن «جَبَل كيس ترابه» لترقيع حافّة قد تَهدرُ عليه في أوّل شَتوة غادرة…
وأبناء لبنان الصغير، لم يتخلّفوا يومًا عن تسديد فواتير الكهرباء والاشتراك والمياه عنهم وعن غيرهم في سائر المناطق الجغافيّة والمباني الرسـميّة.
منذ صغري، وأنا أعتقدُ أنّ هذه الدولة موجودة في أيّ مكان، ونَحن في أمان. ولكن للأسف، عندما كبرتُ، فوجئتُ أنّ الدولة التي منعت جدّي من بناءِ حائط دعم لحماية ماشيته في الحظيرة، هي نفسها لم تَجرؤ على منع مَن حفروا الخنادق تَحت البيوت والكنائس والمساجد والمدارس والمستشفيات… وهذه الدولة التي منعت والدي من حَملِ بندقية صيدٍ بدون رخصة، هي نفسها، منذ أربعين سنةً، لم تَجرؤ على منع جَماعات منظّمة من التسلّح واتّخاذ قرار الحرب في زمن السلام.
واليوم، تصحو الدولة من جديد، فتطالب بلبنان الكبير الذي أضاعته، وذلك على وقع تطويب باني لبنان الكبير، البطريرك الطوباوي الياس الحويك؛ فتستجدي مِمّن أقاموا ضمنها دولةً أقوى من الدولة، أن يسلّموها السلاح والقلاع والأنفاق… وتلومُهم عَمّا يفعلون، فيما هي لم تفعل شيئًا!
فيَومَ كانت الدولة قادرة على منع جدّي من بناء حائط لزريبة، ووالدي من اقتناء بندقية صيد بدون رخصة، وجيلي وجيل أولادي من القيادة من دون حزام أمان، كانت على علمٍ أنّ دولةً داخل الدولة تولد وتؤسّس وتَحفر وتبني وتتسلّح… ولم تَجرؤ على منعها باسم السلطة اللبنانية، حتى باتت دولةُ السلاح مقتنعةً أنّ «حيط الدولة واطي»، وهي لا تستطيع حِمايتها وحِماية بيئتها، فتنكّرت للدولة الأساس، وأقامت الأمن الذاتي حتى صار معتقدًا في كتابٍ يُدَرَّسُ في المدارس على طاولات الأطفال!
فيا أحبائي في لبنان الصغير، نَحن دولة القانون والضرائب وحزام الأمان، وقد فرضت علينا دولتنا الجباية عن الجميع، وحتى عن مباني الإدارات الرسـميّة، من أجل تَمويل لبنان الكبير الخارج عن خارطة القانون، بأموال لبنان الصغير الرازح تَحت سطوة قانون جائر، لا يُطبَّق إلاّ على مساحة لبنان الصغير!
واليوم، ماذا أقول لأولادي ولسائر طلاب الجامعات؟ أأقولُ لَهم إبقوا هنا في أرضكم وقد لا تبقى في المستقبل أرضًا لكم؟! دولتنا تُهجّر الشباب والطاقات وتسرق جنى الأعمار في ظلّ نظامٍ مصرفيّ يتحكّم فيه أسياد الدولة العميقة وأولادُهم وأحفادُهم وأزلامُهم إلى الدهر الآتي.
أخي المواطن في دولة لبنان الصغير، إمّا تدفع عن باقي المساحة الجغرافية التي لا تَجرؤ الدولة على بسط وجودها فيها، وإمّا ترحل هربًا من هيبة الدولة في لبنان الصغير، وتُطلق جناحيكَ كما فَعَلَ الأقدمون، فيهرب لبنان من لبنان، ليحيا لبنان خارج لبنان، لأنّه لن يتغيّرَ شيءٌ، ما دام نظامُنا متوارَثٌ من الأجداد إلى الآباء والأولاد والأحفاد، حتى ولو خربت البلاد!
فوزي عساكر