بقلم محمد السماك
«أساس ميديا»
حدث ذلك يوم الثلاثاء 11 أيلول 2001. كان أستاذ التاريخ في جامعة نيويورك يطلّ من نافذة بيته الصغير عندما شاهد طائرتين تصطدمان ببرجَي المدينة. يومها كتب في مذكّراته: “اليوم شهدت ولادة القرن الواحد والعشرين”.
قُتل في ذلك الحادث نحو ثلاثة آلاف شخص، وأُصيب أكثر من ستّة آلاف آخرين بجروح. لكنّ الإصابة الأشدّ وقعاً كانت تلك التي نزلت بالغرور والكبرياء الأميركيّين. يومها، أعلن الرئيس الأميركيّ جورج بوش الابن، المنتمي إلى الحزب الجمهوريّ: “على كلّ دولة في العالم أن تحدّد موقفها: إمّا أن تكون معنا أو مع الإرهاب”. وسرعان ما رُبط في الخطاب السياسيّ والإعلاميّ الأميركيّ آنذاك بين الإسلام والإرهاب، في واحدة من أكثر اللحظات تأثيراً في تاريخ العلاقات بين الولايات المتّحدة والعالم الإسلاميّ.
الفاتيكان يرفض وصم الأديان بالإرهاب
أعلن الرئيس بوش الحرب على أفغانستان، وكانت أطول حروب الولايات المتّحدة، إذ استمرّت قرابة عشرين عاماً. لكنّ الحرب الأميركيّة التي استهدفت حركة طالبان انتهت بالانسحاب الأميركيّ غير المشرّف وبإعادة السلطة الأفغانيّة إلى “طالبان” التي تتولّاها حتّى اليوم.
غيّرت جريمة نيويورك العلاقات الدوليّة. وغيّرت الولايات المتّحدة من الداخل. فقد اقتحم الخوف من الآخر صميم السياسة الأميركيّة الداخليّة، وانتقلت مشاعر الكراهية من السود إلى المسلمين. تحوّلت الكراهية إلى غضب. وأصبح كلّ مسلم هدفاً ومُداناً حتّى يثبت العكس. توّج ذلك الرئيس بوش بإعلانه أنّ الإسلام “دين إرهابيّ”.
في الوقت الذي كانت كرة ثلج العداء للإسلام والمسلمين تتدحرج وتتضخّم داخل الولايات المتّحدة وخارجها، عُقد لقاء في الفاتيكان برئاسة البابا الراحل يوحنّا بولس الثاني، وصدر عن اللقاء بيان قال: “لا يوجد دين إرهابيّ، لكن يوجد إرهابيّون في كلّ دين”. أدّى هذا الإعلان الأخلاقيّ الراقي إلى توتّر في العلاقات بين الولايات المتّحدة والفاتيكان، ورُفع في واشنطن شعار يصف البابا يوحنّا بأنّه المسيح الدجّال. لكنّ الفاتيكان أعلنه قدّيساً بعد وفاته. وقبل ذلك كانت هذه العلاقات قد بلغت قمّة الاحترام والتعاون في عهد الرئيس الأميركيّ الأسبق رونالد ريغان (من الحزب الجمهوريّ أيضاً) الذي تعاون مع البابا يوحنّا بولس الثاني (وهو من أصل بولونيّ) في دعم حركة التحرير الوطنيّ البولنديّ ضدّ الهيمنة السوفيتيّة.
توظيف العداء للإسلام في السّياسة الأميركيّة
دخلت إلى البيت الأبيض مجموعة “الصهيونيّة – المسيحانيّة” لتركب موجة العداء للإسلام ولتوظيف ذلك في خدمة المصالح الاستراتيجيّة لإسرائيل، فكان غزو العراق من وراء ظهر الأمم المتّحدة وخلافاً لموقفها. يومها جرت فبركة اتّهامات بأنّ الرئيس العراقيّ صدّام حسين يقوم بإعداد ترسانة من الأسلحة الكيمياويّة والجرثوميّة، كمبرّر لغزو العراق. كان الرئيس جورج بوش يبحث عن انتصار ما يضمّد به جراح 11 أيلول في نيويورك.
لم يوجد في العالم الغربيّ من يتعاون مع بوش سوى رئيس الحكومة البريطانيّة في ذلك الوقت طوني بلير، وقد حوكم وأُدين بسبب ذلك في بلاده، ثمّ اعتذر علناً واعترف بالخطأ. إلّا أنّ الرئيس الأميركيّ الحاليّ دونالد ترامب حرص على تكريمه معنويّاً.
كان ترامب في بداية حياته السياسيّة داعماً ومؤيّداً للرئيس جورج بوش الابن. ولذلك عندما قرّر ترامب بعد انتخابه رئيساً منع دخول المسلمين إلى الولايات المتّحدة، كان يعبّر بذلك عن مدى تأثّره بثقافة تلك المرحلة وباستمرار توغّل تلك الثقافة في عقله وضميره. وهو في ذلك لم يكن وحيداً. فالرئيس باراك أوباما، الذي يتحدّر من أسرة إفريقيّة إسلاميّة (كينيا)، اعتمد فلسفة تقوم على الأسس الثلاثة التالية:
- إنّ الإرهاب الإسلاميّ الذي عانت منه الولايات المتّحدة مصدره الإسلام السنّيّ.
- إنّ الولايات المتّحدة تستطيع أن تثير الفتنة بين السنّة والشيعة من خلال دعم إيران في العراق وفي الدول العربيّة الأخرى.
- هكذا سهّل (وشجّع) إيران على الهيمنة على العراق واليمن وسوريا ولبنان. كما شجّع إيران النوويّة، ليس حبّاً بإيران ولا بتشيّعها، لكن رغبةً في تحويلها إلى شوكة في خاصرة العالم الإسلاميّ السنّيّ. أليس مرتكبو 11 أيلول 2001 من المسلمين السنّة؟ وكذلك طالبان؟ وبن لادن؟ والقاعدة؟
نشرت مجلّة الشؤون الخارجيّة (وهي مجلّة أميركيّة فصليّة متخصّصة في السياسات الدوليّة) دراسة برّرت فيها الخيار الاستراتيجيّ الذي اعتمده أوباما. ووجدت في خلق مواجهة مذهبيّة بين السنّة والشيعة أداة لإضعاف الاثنين معاً، بحيث يكون الرابح هو الولايات المتّحدة.
لكن عندما وصل الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض بدا أكثر تأثّراً بحسابات الأمن الاستراتيجيّ لإسرائيل، وبدلاً من تنصيب إيران “شرطيّاً” على المنطقة، فإنّ إسرائيل هي التي يفترض أن تقوم بهذا الدور. فكان قراره بنقل السفارة الأميركيّة من تل أبيب إلى القدس اعترافاً منه بيهوديّة المدينة المقدّسة. وكان اعترافه أيضاً بحقّ إسرائيل في احتلال مرتفعات الجولان السوريّة.
نقض الرئيس الأميركيّ الحاليّ الاتّفاق النوويّ مع إيران وانقلب عليه، وهو الاتّفاق الذي وُلد في حرم البيت الأبيض في عهد الرئيس أوباما وأقرّته مع إيران دول أوروبيّة عديدة أخرى. ثمّ ذهب ترامب مع إسرائيل إلى الحرب ضدّ إيران تحت شعار منعها من إنتاج قنبلة نوويّة ومن الهيمنة على الشرق الأوسط. وهي الحرب التي تقزّمت اليوم حتّى أصبحت تدور حول مضيق هرمز وكيف ومتى يُعاد فتحه أمام الملاحة الدوليّة.
جرت مياه كثيرة من تحت جسر بروكلين في نيويورك منذ 11 أيلول 2001. وبعد صدور أحكام الإدانة بحقّ مرتكبي تلك الجريمة، لم يكترث أحد لذلك. إلّا أنّ أقلّ ما يمكن الجزم به هو أنّ العالم بعد تلك الجريمة هو غيره بعدها.
محمد السماك