7 أكتوبر 2023: حين دفع لبنان الثمن

بقلم أيمن جزيني

«أساس ميديا»

هناك أسئلة لا تكفي الإجابة عنها باستعادة الوقائع، بل تحتاج إلى حساب سياسي بارد. من هذه الأسئلة: ماذا جنى لبنان من الحرب التي بدأت في 8 تشرين الأول 2023، حين قرر “الحزب” فتح جبهة الجنوب تحت عنوان “إسناد غزة”؟ ليس المقصود هنا مناقشة عملية “طوفان الاقصى” في 7 أكتوبر 2023، ولا التقليل من حجم المأساة الفلسطينية التي أعقبتها، ولا الدخول في سؤال ما إذا كان ينبغي التضامن مع غزة. السؤال اللبناني مختلف تماماً: ماذا كانت حصيلة قرار إدخال لبنان في حرب لم يصدر قرارها عن الدولة اللبنانية؟ ما الذي بقي للبنان بعد أكثر من عامين ونصف من فتح هذه الجبهة؟

منذ 8 تشرين الأول 2023، لم تعد الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية مجرد جبهة مضبوطة الإيقاع، بل تحولت تدريجياً إلى مسرح مواجهة اتسعت دائرتها ونطاقها، وصولاً إلى حرب واسعة في خريف 2024، وصولاً إلى حرب 2 آذار 2026 التي دخلها “الحزب” إسناداً لإيران و”ثأراً” للخامنئي. كان يمكن، نظرياً، أن ينتهي الأمر عند حدود “الإسناد”. لكن الحرب لا تُدار دائماً وفق الحدود التي يرسمها أصحابها.

حين سقطت القيادة، سقطت معادلة الردع

في أيلول 2024، انتقلت المواجهة إلى مستوى مختلف تماماً مع تفجير أجهزة النداء، “البايجر”، ثم أجهزة الاتصال اللاسلكية في اليوم التالي. وبعدها بدأت مرحلة استهداف البنية القيادية للحزب.

قُتل فؤاد شكرالمُلقب بـ”السيد محسن”، أحد أبرز القادة العسكريين، ثم إبراهيم عقيل، قائد قوة “الرضوان”، قبل أن تصل الضربة إلى رأس الهرم باغتيال الأمين العام السيد حسن نصر الله في 27 أيلول 2024. وبعده قُتل السيد هاشم صفي الدين، الذي كان يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره المرشح الأبرز لخلافته. وقيل أنه انتُخب للامانة العامة ولأيام قليلة. وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة: ماذا بقي من “الردع” الذي كان الحزب يقدمه للبنانيين بوصفه إحدى وظائف سلاحه؟

قد يقول “الحزب” إنه دفع ثمناً كبيراً دفاعاً عن لبنان، وقد تقول إسرائيل إنها أزاحت تهديداً كان موجهاً إليها. لكن خارج هذين التفسيرين المتعارضين، ثمة حقيقة لبنانية لا يمكن تجاوزها: الحرب أعادت تعريف وظيفة السلاح داخل لبنان.

السلاح الذي قُدّم طوال سنوات باعتباره أداة ردع وحماية، وجد نفسه في لحظة الاختبار الأكبر أمام معادلة مختلفة: حماية ما يمكن حمايته، والانسحاب من مواقع حين يصبح البقاء فيها أكثر كلفة، على ما قال مؤخراً الأمين الحالي للحزب الشيخ نعيم قاسم.

من وقف الحرب إلى استعادة قرار الدولة

بعد نحو سنة وما يزيد من الحرب، جاء اتفاق وقف الأعمال العدائية في 27 تشرين الثاني 2024. لكن وقف إطلاق النار لم يُنهِ الحرب فعلياً بالمعنى السياسي. في المقابل، دخل لبنان مرحلة جديدة يحكمها السؤال: كيف يمكن للدولة أن تستعيد قرارها السيادي؟ هنا تكمن واحدة من أهم نتائج الحرب التي بدأت في 8 تشرين الأول: تغيير طبيعة النقاش الداخلي اللبناني.

قبلها، كان النقاش حول سلاح “الحزب” يدور غالباً حول جدوى المقاومة، وشرعية السلاح، وضرورات مواجهة إسرائيل. أما بعدها، فقد أصبح السؤال أكثر مباشرة: من يقرر الحرب والسلم في لبنان؟

لم يعد هذا السؤال محصوراً في القوى المعارضة للحزب. ففي 2025 اتخذت الحكومة اللبنانية قرارات متقدمة في اتجاه حصر السلاح بيد الدولة، وكلفت الجيش وضع خطة لتنفيذ هذا الهدف. وهذا التحول ليس تفصيلاً إدارياً. إنه تحول في تعريف الدولة نفسها. فالدولة التي لا تملك وحدها قرار الحرب والسلم لا تملك، بالمعنى الكامل، قرار سياستها الخارجية ولا تستطيع وحدها أن تحدد متى تبدأ الحرب ومتى تنتهي.

حين يدفع لبنان ثمن حروبٍ لا يقررها

الأخطر أنّ المجتمع اللبناني نفسه وجد نفسه أمام معادلة شديدة القسوة: عندما يقرر طرف داخلي فتح جبهة، فإن كلفة الحرب لا تقع على الطرف الذي اتخذ القرار وحده، بل تتوزع على البلد كله. وهذا ما كشفته حرب الإسناد بوضوح. لم يعد ممكناً التعامل مع الحرب بوصفها مواجهة عسكرية محصورة في منطقة حدودية.

الأهم أنّ الحرب لم تُنتج للبنان مكسباً سياسياً واضحاً يعادل حجم الكلفة. لم تتوقف حرب غزة نتيجة للجبهة اللبنانية، ولم يتحول لبنان إلى طرف مقرّر في التسوية الفلسطينية، ولم يحصل على ضمانة نهائية لأمنه، بل خرج أكثر انكشافاً على الصراع الإقليمي. ثم جاءت المفارقة الأشد قسوة.

بعد وقف إطلاق النار في 2024، كان يفترض أن يبدأ لبنان مساراً لاستعادة الدولة لقرارها الأمني والعسكري. لكن في 2 آذار 2026، وبعد مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي، دخل “الحزب” مجدداً في مواجهة مع إسرائيل، مطلقاً صواريخ ومسيّرات باتجاهها، لترد إسرائيل بضربات واسعة على الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.

هكذا وجد لبنان نفسه أمام سؤال أكثر إيلاماً من سؤال 2023: هل يستطيع البلد أن يبقى خارج الحرب عندما تقرر جهة لبنانية أنّ جزءاً من وظيفتها الإقليمية هو الرد على حرب تقع خارج لبنان؟

ما بين التاريخين أصلت إسرائيل الحزب قتلاً واغتيالاً حتى خسر من مقاتليه ما بين الـ500 و600 شخص على الأقل.

من “شرعية المقاومة” إلى سؤال قدرة الدولة

لعل أكثر ما تغيّر منذ 8 تشرين الأول 2023 هو أن مفهوم “المقاومة” نفسه دخل مرحلة جديدة داخل النقاش اللبناني. لم تعد المسألة فقط ما إذا كان السلاح قادراً على إطلاق الصواريخ، بل ما إذا كان قادراً على توفير الأمن الذي يقول إنه موجود من أجله.

في هذا السياق، تبدو العبارة التي قالها الشيخ قاسم عن الانتقال إلى الدفاع ذات دلالة سياسية تتجاوز معناها العسكري: عندما يصبح الدفاع نفسه مكلفاً إلى درجة التراجع من موقع إلى آخر، فإن صورة السلاح بوصفه أداة ردع مطلق تتغير بالضرورة. تغيرت أيضاً معادلة القوة داخل لبنان. فقد خرج “الحزب” من الحرب وقد تعرضت بنيته القيادية والعسكرية لضربات هائلة، فيما وجد خصومه السياسيون فرصة نادرة لإعادة طرح سؤال الدولة لا بوصفه شعاراً سياسياً، بل بوصفه ضرورة أمنية. وفي المقابل، يشعر جمهور “الحزب” بأن سلاحه لم يعد مجرد خيار سياسي، بل آخر أدوات الحماية في مواجهة إسرائيل التي ما زالت تحتل مواقع في الجنوب وتنفذ ضربات داخل الأراضي اللبنانية. وهنا تحديداً تكمن صعوبة المرحلة المقبلة: لا يمكن بناء الدولة بإلغاء مخاوف فئة لبنانية، ولا يمكن بناء السيادة بتجاهل حقيقة أن القرار العسكري يجب أن يكون للدولة.

بعد الحروب: هل يستعيد لبنان قراره؟

لبنان يقف اليوم أمام مفترق مختلف عما كان عليه قبل 7 أكتوبر. قبل ذلك التاريخ كان من الممكن تأجيل سؤال السلاح، أو إدارة الخلاف حوله، أو وضعه في إطار ما يسميه “الحزب” “الاستراتيجية الدفاعية” التي لم تولد. أما بعد حرب الإسناد، ثم حرب 2024، ثم عودة القتال في 2026، فقد أصبح تأجيل السؤال نفسه جزءاً من المشكلة.

اذ جنى لبنان انكشافاً صار من الصعب التراجع عنه: لا يمكن لأي طرف لبناني أن يخوض حرباً منفردة ثم يطلب من اللبنانيين جميعاً دفع فاتورتها. وربما يكون هذا هو الدرس السياسي الأهم.

لبنان لا يستطيع أن يمنع الحروب التي تقع في المنطقة، لكنه يستطيع أن يقرر ما إذا كان سيكون طرفاً فيها أم دولة تحاول حماية نفسها منها. المسألة، في النهاية، ليست في أن يختار لبنان بين “المقاومة” والاستسلام، كما يحاول بعض الخطاب السياسي اختزالها. المسألة أن يجد صيغة تجعل الدفاع عن لبنان وظيفة لبنانية، وقرار الحرب قراراً لبنانياً، والسلاح جزءاً من منظومة الدولة لا بديلاً عنها.

بعد كل ما جرى منذ 8 تشرين الأول، بات السؤال الذي يواجه لبنان الآن أكثر بساطة وأكثر قسوة: هل يستطيع البلد، بعد كل هذه الحروب، أن يستعيد حقه في أن يقرر بنفسه متى يحارب، ولماذا يحارب، ومتى يتوقف عن الحرب؟

أيمن جزيني