أزمة لبنان ليست في الطائف… بل في عدم تطبيقه

301

بقلم دافيد عيسى
بعد أكثر من ثلاثة عقود على إقراره، لا يزال اتفاق الطائف يُحاكَم على ما لم يُطبَّق منه.
ويكفي النظر إلى تعطيل الاستحقاق الرئاسي لفترات طويلة، وما رافقه من شللٍ في عمل المؤسسات الدستورية، للدلالة على أن الخلل ليس في النص، بل في الالتزام بتطبيقه واحترام آلياته.
والدعوة إلى تعديل الاتفاق قبل تنفيذه تعني القفز فوق المشكلة الحقيقية.
في 30 أيلول 1989، وُقّعت وثيقة الوفاق الوطني اللبناني في مدينة الطائف في المملكة العربية السعودية، في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان الحديث، بعد سنوات طويلة من الحروب والقتل والنزف والانقسام.
وفي 5 تشرين الثاني من العام نفسه، أقرّ مجلس النواب اللبناني الاتفاق، ليضع حدًا رسميًا لحرب أهلية استمرت أكثر من خمسة عشر عامًا، دمّرت الدولة ومؤسساتها، وخلّفت آلاف القتلى والجرحى، وشرذمت المجتمع.
لم يكن اتفاق الطائف مجرّد تسوية ظرفية، بل شكّل إطارًا وطنيًا لإعادة بناء الدولة على قاعدة التوازن والشراكة، ورفض منطق الغلبة.
وقد تضمّن بنودًا إصلاحية واضحة، من تعزيز دور المؤسسات، إلى تكريس مبدأ المناصفة، وصولًا إلى إلغاء الطائفية السياسية تدريجيًا، وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها، فضلًا عن اللامركزية الإدارية وإنشاء مجلس شيوخ.
غير أنّ هذا الاتفاق، رغم أهميته، لم يُطبَّق بروحيته الكاملة، إذ جرى التعامل مع بنوده بشكل انتقائي، وفق مصالح القوى السياسية.
فبقيت بنود أساسية، كإنشاء مجلس الشيوخ، وتطبيق اللامركزية الإدارية، حبرًا على ورق، فيما لم تُبسط سلطة الدولة بشكل كامل على أراضيها.
ولعلّ أبرز دليل على هذا التطبيق الانتقائي هو تنفيذ بعض التعديلات المرتبطة بتقاسم السلطة، في مقابل إهمال البنود الإصلاحية الجوهرية، كإلغاء الطائفية السياسية وإنشاء الهيئة الوطنية المولجة تحقيق ذلك، ما أبقى النظام أسير التوازنات نفسها التي كان يُفترض أن يتجاوزها.
وهذا التطبيق المجتزأ هو ما عطّل روحية الاتفاق، وأفرغ إصلاحاته من مضمونها.
ومع الإقرار بأن الاتفاق، كأي تسوية تاريخية، لا يخلو من ثغرات قابلة للتطوير، تبقى المشكلة الأساسية في غياب الإرادة الوطنية الصادقة لتطبيقه، لا في نصّه.
من هنا، تبدو الدعوات إلى تعديله قبل تنفيذه فعليًا أقرب إلى القفز في المجهول، في ظل واقع لبناني معقّد يقوم على توازنات دقيقة.
فلا يمكن الحكم على تجربة لم تُطبّق كما يجب.
المطلوب اليوم التزامٌ جدّي بتنفيذ اتفاق الطائف كاملًا، من دون اجتزاء أو تحوير.
عندها فقط، يصبح النقاش حول تعديله نقاشًا موضوعيًا يستند إلى تجربة فعلية، لا إلى فرضيات.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري الذي لعبته المملكة العربية السعودية في رعاية هذا الاتفاق، ومواكبة لبنان في خروجه من الحرب، تأكيدًا على أن إنقاذه لا يكون إلا بالتوافق، وأن بناء دولته لا يتحقق إلا بالشراكة.
إن إعادة الاعتبار لاتفاق الطائف ليست عودة إلى الماضي، بل استكمالٌ لمسار بناء الدولة:
دولة القانون والمؤسسات والسيادة، دولة يكون فيها المواطن شريكًا كاملًا، لا تابعًا ولا مهمّشًا.
نعم لتنفيذ اتفاق الطائف، لأن البديل هو المجهول، ولأن الفرصة لا تزال قائمة لإنقاذ لبنان، عبر التطبيق الكامل والصادق لما توافق عليه أبناؤه منذ أكثر من ثلاثة عقود.
أما الاستمرار في عدم تطبيقه كاملًا، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الانهيار، وفتح الباب أمام مغامرات لا يمكن التنبؤ بنتائجها.
دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.