الرّياض ترسم سقف المفاوضات
بقلم محمد قواص
«أساس ميديا»
تنشط الرياض للتعامل الدؤوب مع ملفّ لبنان. ترسل مبعوثها، تتواصل مع مسؤولي البلد، تستقبل البعض منهم، وتكثّف التشاور، وهمّها الأوّل مواكبة لبنان ورفده بالدعم والنصح، والعمل على تهدئة توتّره في لحظة تاريخيّة حرجة. في جعبة المملكة سعيٌ إلى تموضع عامّ يضع لبنان داخل الخرائط الجديدة.
توجّه الرئيس اللبنانيّ جوزف عون بالشكر إلى المملكة السعوديّة قبل أيّام. اعترض قياديّ “الحزب” محمود قماطي على عدم تقديم عون الشكرَ لإيران. الأرجح أنّ إيران اعترضت، من خلال حزبها، على خيارات لبنانيّة “متمرّدة” على واقع بات من الماضي. استفزّت تحوّلات لبنان طهران، فأطلق مستشار المرشد علي أكبر ولايتي هجوماً ضدّ رئيس الحكومة نوّاف سلام مهدِّداً، فيما انتقد حسام الدين اشنا، وهو مستشار الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، الرئيس نبيه بري وتوعده.
تأخذ المملكة السعوديّة بعين الاعتبار أنّ لبنان يمرّ بلحظة حرجة وتاريخيّة قد لا تحتملها هياكله السياسيّة والأمنيّة. كاد الانقسام في الأيّام الأخيرة أن يأخذ طابعاً مقلقاً من خلال “عراضات” هدّدت السراي الحكوميّ، ورواج سيناريوات لاقتحامها، و”مواكب” طائفيّة كانت تبحث عن صدام أهليّ متوخّى. استدعى الأمر تحرّكاً سعوديّاً باتّجاه برّي بالذات أنتج بياناً لـ”الثنائيّ” أعاد التهدئة إلى شارع على وشك الانفجار، وتشاوراً عاجلاً من خلال إيفاد الوزير الأسبق علي حسن خليل إلى الرياض. وبعد أيام من عودة الخليل من زيارته السريعة وصل الأمير يزيد بن فرحان للتأكيد على عناصر التوازن بين الثلاثي الرئاسي.
الانزال السعودي على الأرض السورية
تقف الرياض وراء الدولة اللبنانيّة وتدعمها. ليس الأمر جديداً أو سابقة، بل هو سياق تاريخيّ مستمرّ. ما تزال الرياض تعتبر اتّفاق “الطائف” الذي أُبرم على أرضها مسؤوليّة سعوديّة، وهو “كتاب” لبنان الذي يلوّح به رئيس الحكومة نوّاف سلام من دون كلل منذ اليوم الأوّل لتكليفه تشكيل حكومته. حين يقدّم الرئيس عون مبادرة يقترح فيها إجراء مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، لا يصدر عن الرياض تعليق على ما هو قرار لبنانيّ، لكنّها تتحرّك بعُدّة تحمي التوازن والاستقرار لبلد منكوب يسعى إلى الخروج من دوّامة حروب لا تنتهي.
تلمّح مصادر سعوديّة إلى أنّ المملكة لن تترك لبنان وحده في مواجهة مباشرة مع إسرائيل على طاولة المفاوضات. تضيف أنّ الرياض واكبت مسار سوريا بهذا الصدد، وأظهرت مخالب غضب حين أغارت إسرائيل في تمّوز 2025 على دمشق ليس بعيداً عن قصر الرئاسة. في اليوم التالي، دفعت المملكة بطائرة إلى العاصمة السوريّة تحمل مئات من رجال الأعمال السعوديّين، فاستنتج المراقبون من هذه المبادرة “إنزالاً” سياسيّاً يردّ على الغلوّ الإسرائيليّ ضدّ سوريا، وفهمت رسائله الإدارة في واشنطن.
تتحرّك المملكة السعوديّة نحو لبنان ضمن ديناميّة أشمل تهدف إلى إعداد المنطقة لترتيبات “اليوم التالي” لنهاية الحرب الإيرانيّة. لم ينقطع التواصل بين الرياض وطهران على الرغم من الاعتداءات الإيرانيّة على المملكة السعوديّة التي كادت تجوّف مفاعيل اتّفاق بكّين بين البلدين الذي أُبرم في آذار 2023. دفعت المملكة نحو قيام رباعيّة تضمّها مع تركيا ومصر وباكستان للتموضع معاً حيال مآلات قد تنتجها حرب إيران. باتت “الرباعيّة” توفّر البيئة العربيّة والإسلاميّة الحاضنة لوساطة إسلام آباد، بوصفها ملاذ إيران الوحيد للخروج من مأزقها التاريخيّ. لكنّ مجهراً على تلك الرباعيّة يوضح أنّ المنطقة تستعدّ خصوصاً لمواجهة طموحات إسرائيليّة غير مكتومة في المنطقة.
المرجع والبوصلة
تقوم الرعاية السعوديّة للبنان على علاقات تاريخيّة مع الولايات المتّحدة، وعلى علاقة شخصيّة حميمة بين وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان والرئيس الأميركيّ دونالد ترامب. لم يكن تفصيلاً أن يحضر المبعوث السعوديّ الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت في اليوم نفسه الذي قرّر فيه ترامب نقل محادثات سفيرَي لبنان وإسرائيل في واشنطن من وزارة الخارجيّة إلى البيت الأبيض. فهمت بيروت والمنطقة أنّ الملفّ ارتقى إلى مستوى أعلى سلطة في الولايات المتّحدة.
تعمل الرياض على إدراج ملفّ لبنان ضمن أولويّات سياستها الخارجيّة، بعدما باتت مسألة لبنان ومستقبل السلم مع إسرائيل من أولويّات البيت الأبيض وعلى مكتب الرئيس ترامب. يحتاج لبنان إلى الدعم العربيّ العامّ ومشورة المملكة في التعامل مع ملفّ حسّاس خبرته الرياض بتأنٍّ وجدارة. اتّخذت المملكة في السنوات الأخيرة مروحة من المواقف، وافتتحت ورشاً دوليّة مضنية بشأن “حلّ الدولتين” و”الاعتراف بالدولة الفلسطينيّة” وشروط “العلاقة السعوديّة مع إسرائيل”.
حين لبّى مبعوث الرئيس برّي دعوة المملكة السعوديّة إلى التشاور، علّق قياديّ “الحزب” نوّاف الموسوي مرحّباً، مذكّراً بأنّ الأمين العامّ لـ”الحزب” نعيم قاسم كان قد دعا، في أيلول 2025، إلى فتح صفحة جديدة مع الرياض. تؤكّد أوساط الرئيس برّي أنّ زعيم حركة أمل لا يمانع مفاوضات (وإن يفضّلها غير مباشرة) تؤدّي إلى تحرير الأرض وانسحاب إسرائيل وتحرير الأسرى. وفيما تروّج منابر إعلام قريبة من “الحزب” لنصائح قالت إنّها مصريّة تدعو بيروت إلى التروّي في مسألة التفاوض مع إسرائيل، قد لا يجد “الحزب” نفسه، الساعي إلى تلك “الصفحة الجديدة” مع المملكة السعوديّة، ومعه إيران، إلّا نهج المملكة مرجعاً وبوصلة في هذا المسار.
خفّف ترامب عن مطالبة المملكة بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وبدا أنّه يئس من قدرته، على الرغم من علاقاته الممتازة مع ملك البلاد ووليّ عهده، على إقناع الرياض بتغيير حرف من المعادلة الشهيرة: “لا علاقات طبيعيّة مع إسرائيل قبل مسار جدّي لإقامة دولة فلسطينيّة”. تبنّت هذه المعادلة بيروت في قمّة العرب عام 2002 ضمن مبادرة السلام العربيّة. للدولة والبلد و”الحزب” والحائرين والمتشكّكين أن يستلهموا من “المبادرة”، وهي سعوديّة في الأصل، إطاراً يضع القواعد والحدود لمفاوضات مباشرة (كتلك التي أجرتها دمشق) لا تتجاوز معادلة الرياض.
محمد قواص
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.