تاريخ لا يمكن أن ننساه
كتب عوني الكعكي:
الطائفة الأرمنية في لبنان هي من الطوائف التي يفتخر لبنان بوجودها.. لا سيّما أنّ دورها البنّاء والإيجابي في الوطن لا يمكن أن ينكره أحد.
أحد ميزات الطائفة الأرمنية الكريمة، أنّ شعبها مسالم يحب السلام، ويعتبر أنّ أهم عنصر فعّال في الحياة هو العمل.. لذلك نادراً ما تشاهد أرمنياً أو أرمنية من دون عمل، بل بالعكس، تراهم يبذلون جهوداً كبيرة في العمل، والأهم أنهم ناجحون وبارعون في إتقان أعمالهم.
وفي ذكرى مذابح الأرمن لا بدّ من التذكير أنّ الإبادة الجماعية للأرمن (مذابح الأرمن) حدثت بشكل رئيسي بين عامي 1915 و1916، مع استمرار تداعياتها حتى 1923، في أراضي الدولة العثمانية، حيث قُتل ما يقدّر بـ12 الى 15 مليون أرمني عبر التهجير القسري، والمذابح الجماعية والتجويع المنهجي خلال الحرب العالمية الأولى.
ويعتبر يوم 24 نيسان (ابريل) 1915 تاريخاً رمزياً لبداية الإبادة، حيث اعتقل مئات المثقفين والأعيان الأرمن في اسطنبول ثم رُحّلوا منها.
وتفاصيل المجزرة هي أنّ حكومة «تركيا الفتاة» نفّذت عمليات قتل ممنهج وتهجير قسري، ثم إجبار الأرمن على «مسيرات الموت» الى صحارى سوريا (دير الزور) حيث مات الغالبية جوعاً أو عطشاً أو قتلاً. وتشير معظم التقديرات الى وفاة ما بين 1.2 و1.5 مليون نسمة.
وقد تمّ استغلال ظروف الحرب العالمية الأولى للقضاء على السكان المسيحيين الأصليين (الأرمن) في الدولة العثمانية.
هذا ويحيي الأرمن في جميع أنحاء العالم ذكرى هذه المذابح في 24 نيسان (أبريل) من كل عام، بينما تقاوم تركيا الإعتراف بها كإبادة جماعية.
هذا، وكان المسيحيون الأرمن إحدى الجمعيات العرقية المتميّزة خلال فترة الامبراطورية العثمانية. وفي أواخر ثمانينات القرن التاسع عشر شكّل بعض الأرمن منظمات سياسية ساعين الى مزيد من الحكم الذاتي، بما أثار شكوك الدولة العثمانية حول مدى ولاء الطائفة الأرمنية لها.
وفي 17 تشرين الأول (اكتوبر) عام 1895 استولى الثوّار الأرمن على البنك الوطني في القسطنطينية، مهدّدين بتفجيره وقتل أكثر من 100 رهينة ما لم تمنح السلطات للأرمن حكماً ذاتياً إقليمياً.
وفي تموز (يوليو) 1908 استولى فصيل أطلق على نفسه اسم «الأتراك الشباب» على السلطة في القسطنطينية (العاصمة العثمانية)، وكان الشباب مجموعة مكوّنة أساساً من ضباط عسكريين وبيروقراطيين من مواليد البلقان، وقاموا بتأسيس حركة سياسية هدفها إنشاء نظام دستوري ليبرالي علماني يضع جميع الأتراك على قدم المساواة، وقالوا إنّ غير المسلمين سيقبلون القومية التركية إذا كانت النتيجة التحديث والازدهار.
وتستمر الأمور على هذا المنوال حتى الحرب العالمية الأولى. وغالباً ما ترتكب الأعمال الوحشية وعمليات الإبادة الجماعية في سياق الحرب. ويرتبط تدمير الأرمن ارتباطاً وثيقاً بأحداث الحرب العالمية الأولى في الشرق الأدنى والقوقاز الروسي.
وشاركت الامبراطورية العثمانية رسمياً في الحرب في تشرين الثاني (نوڤمبر) 1914 الى جانب دول المحور (ألمانيا والنمسا والمجر) الذين قاتلوا ضد قوى الوفاق (بريطانيا وفرنسا وروسيا وصربيا).
وتحسباً لخطر تهديد الحلفاء في شبه جزيرة غاليبولي ذات الأهمية الاستراتيجية، اعتقلت السلطات العثمانية 240 من القادة الأرمن في القسطنطينية في 24 نيسان 1915 ورحّلتهم شرقاً. ومن أجل ذلك يحتفل الأرمن اليوم بذكرى ذلك الطرد باعتباره بداية الإبادة الجماعية.
وكان العثمانيون قد ادعوا بأنّ الثوار الأرمن قد اتصلوا بالعدو، وكانوا يستعدون لتسهيل الهبوط الفرنسي – البريطاني.
وفي عام 1915، توسّعت الحكومة في عمليات الترحيل أيضاً، بغض النظر عن بعدها من مناطق القتال، حيث زحف المدنيون للتخييم في المناطق الصحراوية في الجنوب، هذه المناطق تسمّى اليوم (شمال سوريا وشرقها والمملكة العربية السعودية والعراق)، ثمّ نشأت العديد من تلك القوافل في أقاليم أرمنية ذات كثافة سكانية موجودة في شرق الأناضول: طرابزون، وأرضروم، وتبليس، وفان، وديار بكر، ومعمورة العزيز ومنطقة ماراس.
وحتى اليوم، يرى الأرمن أنّ ما حدث ضدّهم كانت إبادة منظمة… وطوال العقود الماضية سعى الأرمن في الداخل والخارج الى الإبقاء على قضية المجازر حيّة، من خلال تنظيم فعاليات سنوية، والتحرّك في المحافل الدولية ولا سيّما البرلمانات لإقرار الإبادة. واستند الأرمن في تحرّكهم هذا الى قانون منع الإبادة الجماعية الذي أقرّته الأمم المتحدة عام 1951، ووضعته تحت بند القانون الدولي. وكثيراً ما يقارن الأرمن بين ما جرى لهم، والمجازر التي ارتكبت في رواندا وكمبوديا وليبيريا ويوغوسلافيا.
واللافت هنا أنّ الأرمن لا يطالبون فقط بالإقرار بفعل جريمة الإبادة، بل بحقوق تاريخية داخل تركيا على اعتبار أنهم يرون أنّ لهم أراضي داخل الأراضي التركية تسمّى بأرمينيا الغربية، حيث جبل أرارات الذي يُعَدّ رمزاً للأرمن.
aounikaaki@elshark.com
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.