إيران وفنزويلا: من العقيدة إلى اقتصاد الضرورة

126

بقلم د. طالب سعد
استاذ جامعي محاضر في العلوم الاقتصادية
في السياسة الدولية، كثيرًا ما تُختصر التحالفات بالعقائد الدينية أو الأيديولوجيات السياسية، وكأن الدول تتحرك بدافع الإيمان أو القناعات الفكرية. غير أن القراءة الاقتصادية العميقة تظهر أن المال ومحركاته من طاقة ومياه وموارد مختلفة، وحاليا التكنولوجيا والقدرة على الصمود هي العوامل الحاسمة في بناء العلاقات بين الدول، خصوصا في أوقات الأزمات. من هنا، تبدو العلاقة بين إيران وفنزويلا مثالا واضحًا على التقاء المصالح قبل العقائد.
لا يجمع البلدين دين موحد، ولا ثقافة، ولا تاريخ مشترك، ولا سلوك إنساني خاص، ولا حتى موقع جغرافي متقارب إيران دولة ذات نظام ديني – سياسي معقد في الشرق الأوسط، فيما فنزويلا دولة لاتينية ذات خلفية اشتراكية في أميركا الجنوبية. ومع ذلك، وجد الطرفان نفسيهما في موقع اقتصادي متشابه: عقوبات أميركية قيود على النظام المصرفي، صعوبة الوصول إلى الدولار، وتراجع القدرة على تمويل الاقتصاد عبر القنوات التقليدية. من هذا المنطلق أصبح التقارب الاقتصادي نتاج الحاجة لا العقيدة.
ويزداد هذا التقارب الموجه دلالة بالرغم من البعد الجغرافي الذي يضاف الى فكرة الحاجة الملحة. فالمسافة بين إيران وفنزويلا تتجاوز ۱۱ ألف كيلومتر، من دون أي عمق إقليمي أو مصالح حدودية أو امتداد جغرافي مشترك. في المقابل، تقع فنزويلا على بعد أقل من ٣ آلاف كيلومتر من الولايات المتحدة، وفي مواجهة مباشرة مع مجالها الحيوي التقليدي في أميركا اللاتينية، وتجاور دولا مثل كولومبيا والبرازيل وغيانا. هذا القرب الجغرافي من واشنطن، مقابل البعد السياسي الحاد عنها، يفسر جزئيًا حساسية العلاقة الأميركية – الفنزويلية ومحاولة اقتراب ايران من هذا المجال، الأمر الذي يفسر كيف استطاعت إيران البعيدة جغرافيا والقريبة وظيفيًا عبر النفط والعقوبات، أن تملأ فراغا فرضته القطيعة مع الغرب.
ومن حيث الحجم الديموغرافي والجغرافي، يبرز تفاوت بنيوي بين البلدين. إذ يبلغ عدد سكان إيران نحو ۸۹ مليون نسمة، وتعد من الدول الكبرى في الشرق الأوسط بمساحة تقارب ١,٦٥ مليون كيلومتر مربع، مع عمق بشري وصناعي بكثافة سكانية بحدود ٥٤ نسمة | كم ٢ . أما فنزويلا، فيبلغ عدد سكانها نحو ۲۸ مليون نسمة، وتغطي مساحة تقارب ۹۱٦ ألف كيلومتر مربع، أي دولة غنية بالموارد قياسًا إلى عدد سكانها حيث الكثافة السكانية تقارب ۳۰ نسمة كم ۲ ، لكن ضعف الإدارة وهجرة الملايين خلال العقد الأخير أفقدا العامل الديموغرافي قدرته على دعم الاقتصاد. هذا التباين يجعل العلاقة غير متكافئة بنيويا: إيران تدخلها بخبرة تشغيلية تراكمت تحت العقوبات، فيما تدخلها فنزويلا بثقل موارد خام غير مستثمرة بالكامل.
من حيث الثقل النفطي، لا يمكن اعتبار العلاقة بين البلدين هامشية. فنزويلا تمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم، يُقدَّر بأكثر من 300 مليار برميل، ما يضعها في المرتبة الأولى عالميًا من حيث الاحتياطات متقدمة
على السعودية وكندا والعراق. إلا أن المفارقة أن إنتاجها الفعلي انهار خلال العقد الأخير، من حوالي 3 مليون برميل إلى أقل من مليون برميل يوميا، قبل أن يبدأ تعافيًا محدودًا ليقترب حاليًا من حدود ۸۰۰ ألف إلى مليون برميل يوميا، وهو مستوى متدن جدا مقارنة بقدرتها المتوقعة.
أما إيران، فهي تحتل المرتبة الثالثة عالميًا في احتياطات النفط بعد فنزويلا والسعودية بما يقارب ۲۰۸ مليار برميل، وتعد أيضا من كبار مالكي احتياطات الغاز الطبيعي في العالم. ورغم العقوبات، حافظت إيران على إنتاج نفطي يتراوح بين ۳ و ۳٫۵ ملايين برميل يوميا، مع قدرة تصديرية مرنة عبر قنوات مباشرة وغير مباشرة. هذا الفارق بين الاحتياطي والإنتاج هو ما ساهم في تعزيز العلاقة بينهما، حيث أن فنزويلا تملك نفطا بلا قدرة تشغيل كافية، وإيران تملك خبرة تشغيل تحت العقوبات والمناورات المختلفة.
اقتصاديًا، يختلف الحجم بينهما لكن تتشابه الاختلالات الكبيرة والاساسية التي كانت دائماً سببا متوقعا لأي أزمة مالية نقدية أو انهيار اقتصادي. يبلغ الناتج المحلي الإجمالي لإيران نحو ٤٢٠ مليار دولار، مع نمو اقتصادي متذبذب وتضخم يتجاوز ٤٢، لكنه مدعوم بقاعدة صناعية وطاقوية متماسكة نسبيًا. في المقابل، لا يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لفنزويلا ۱۰۰ مليار دولار، مع اقتصاد شديد الهشاشة، تضخم مزمن حوالي ۱۷۲ ٪ وتراجع حاد في القطاعات غير النفطية. كلا البلدين يعاني من ضعف الثقة بالعملة الوطنية، ودولرة جزئية للاقتصاد، وانفصال متزايد بين الاقتصاد الحقيقي والنظام النقدي الرسمي.
في هذا الإطار، نشأ الترابط بين البلدين كعلاقة اقتصاد ضرورة أكثر منه اقتصاد شراكة. فالتعاون لا يتم عبر تحويلات مصرفية واضحة أو استثمارات مباشرة، بل عبر مقايضة القيمة نفط مقابل مشتقات خام مقابل خدمات تشغيل المصافي، خبرات تقنية مقابل شحنات طاقة المال موجود في جوهر العلاقة، لكنه لا يمر عبر البنوك، بل عبر السلع والطاقة، وهو ما يعكس بوضوح كيف تفرض العقوبات شكل العلاقات الاقتصادية.
هذا الترابط يمتد تأثيره إلى أسواق الطاقة العالمية. فإنتاج إيران وفنزويلا لا يدخل بالكامل في الحسابات التقليدية للعرض والطلب، ما يزيد من ضبابية السوق النفط الذي يُباع خارج القنوات الرسمية، أو يُعاد توجيهه عبر وسطاء، يُضعف قدرة مؤسسات مثل أوبك على ضبط الإنتاج بدقة، ويجعل توقعات الأسعار أكثر هشاشة. وفي حال حدوث تحول سياسي كبير في أحد البلدين، سواء عبر تسوية دولية مع إيران أو تغيير جذري في النظام الفنزويلي أو حتى الايراني، فإن عودة ملايين البراميل إلى السوق أو خروجها المفاجئ قد يُحدث صدمات سعرية حادة في النفط والغاز.
غير أن هذه العلاقة التي تتداخل بها المسميات الاستراتيجية وضرورات المصلحة عن عمر يتراوح بين ۲۰ و٢٥ سنة تبقى بطبيعتها غير مكتملة وناضجة. فهي ليست تحالفا استراتيجيا طويل الأمد، بل توازنا هشا فرضته الظروف. فإذا تغيرت الأنظمة أو رفعت العقوبات، قد تنقلب العلاقة من ضرورة إلى عبء. وهنا يظهر جوهر الفكرة : الدول لا تبني تحالفاتها على ما تؤمن به، بل على ما تحتاجه . وعندما يصبح التمويل والمال مسألة بقاء تتراجع العقائد، وتتقدم الأرقام، والنفط، والسيولة.
تجربة إيران وفنزويلا تذكير صريح بأن الاقتصاد، لا الأيديولوجيا، هو المحرك الأعمق للسياسة الدولية، وأن من يقرأ التحالفات خارج ميزان المال والطاقة، يقرأ نصف الصورة فقط.
د. طالب سعد

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.