الإمارات تجدد ثقتها بلبنان… فهل يجدد لبنان ثقته بنفسه؟ / 1
بقلم دافيد عيسى
«أساس ميديا»
الهيئات الاقتصادية اللبنانية تفتح صفحة جديدة مع المستثمرين الإماراتيين، وتدفع نحو شراكات واستثمارات متبادلة
ثمة لحظات لا تحتاج إلى كثير من الشرح.
يكفي أن تأتي الإمارات إلى بيروت بوفد اقتصادي كبير، برئاسة وزير الدولة للتجارة الخارجية ثاني بن أحمد الزيودي، ويضم نحو تسعين شخصية اقتصادية ورجل أعمال إماراتيًا، للقاء نحو مئتين وخمسين شخصية لبنانية من رجال الأعمال ورؤساء الهيئات والنقابات والجمعيات الاقتصادية، حتى ندرك أن شيئًا ما بدأ يتغيّر.
هذه ليست زيارة بروتوكولية، ولا مناسبة عابرة لتبادل المجاملات.
فالزيارة حملت برنامجًا اقتصاديًا متكاملًا، بدأ باجتماعات الأعمال الثنائية (B2B)، مرورًا باللقاءات الوزارية والاقتصادية واجتماعات غرف التجارة، وصولًا إلى ملتقى الأعمال اللبناني–الإماراتي، الذي جمع القطاع الخاص في البلدين، وشهد توقيع أربع اتفاقيات، وانعقاد أول اجتماع لمجلس الأعمال الإماراتي–اللبناني المشترك، إضافة إلى تفاهمات بين شركات لبنانية وإماراتية يمكن أن تتحول، إذا أُحسن البناء عليها، إلى شراكات ومشاريع واستثمارات فعلية.
وهنا تكمن أهمية الزيارة.
فهي تحمل رسالة اقتصادية وسياسية في آنٍ معًا: الإمارات تنظر إلى لبنان مجددًا بعين الشراكة، وتبحث فيه عن فرص يمكن أن تتحول إلى أعمال واستثمارات.
وفي بلد اعتاد خلال السنوات الماضية أن يسمع أخبارًا عن تراجع الثقة، وانسحاب الاستثمارات، وتقلّص العلاقات الاقتصادية، فإن عودة هذا الحضور الإماراتي إلى بيروت تحمل دلالة تتجاوز تفاصيل الاجتماعات والاتفاقيات.
فالمستثمر لا يشتري أرضًا، أو يدخل شركة، أو يمول مشروعًا فحسب؛ بل يراهن على المستقبل.
ومن هنا، فإن عودة المستثمر الإماراتي إلى لبنان تعني أن هناك من بدأ يرى في مستقبل هذا البلد ما يستحق الرهان عليه. وهذه، في حد ذاتها، رسالة بالغة الأهمية.
وقد التقط رئيس الجمهورية هذا المعنى عندما وصف الزيارة بأنها تحمل الأمل والثقة باستقرار لبنان ومستقبله.
لكن الثقة لا تُقاس بالكلمات، بل بما يليها من خطوات.
والاختبار الحقيقي يبدأ الآن: هل يستطيع لبنان أن يحوّل هذا الزخم إلى استثمارات حقيقية، ومشاريع منتجة، وفرص عمل؟
ولعل كلمة رئيس اتحاد المستثمرين اللبنانيين جاك صراف، خلال الملتقى الاقتصادي اللبناني–الإماراتي في بيروت، وضعت النقاط على الحروف، إذ انتقلت من توصيف الفرص إلى طرح خطوات عملية يمكن البناء عليها.
فقد شدد على ضرورة إعادة تفعيل دور مؤسسة «إيدال» وتعزيز فاعليتها، بما يسهّل عمل المستثمرين ويحدّ من تضارب الصلاحيات والروتين الإداري.
كما كشف عن وجود لائحة تضم نحو 275 مشروعًا للبنية التحتية أُعدّت سابقًا، داعيًا إلى اختيار عشرة مشاريع ذات أولوية لتشكّل مدخلًا عمليًا للتعاون والتكامل الاقتصادي مع الجانب الإماراتي.
والأهم في طرح صراف أنه يعكس استعداد القطاع الخاص للانتقال من مرحلة الكلام عن الفرص إلى مرحلة تنفيذها، وتحويلها إلى مشاريع استثمارية حقيقية تساهم في تحريك الاقتصاد وخلق فرص العمل.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة اللحظة الراهنة: فالفرص موجودة، والرغبة في الاستثمار موجودة، والقطاع الخاص اللبناني مستعد للمبادرة، لكن المطلوب هو أن تتحول هذه العناصر إلى خطة واضحة، ومشاريع محددة، وقرارات تنفيذية سريعة.
وفي قلب هذا الحراك، يبرز دور رئيس الهيئات الاقتصادية، الوزير السابق محمد شقير، كأحد أبرز محرّكي الجهود الرامية إلى إعادة لبنان إلى الخريطة الاقتصادية العربية والدولية.
ومن خلال تحركه المستمر، يعمل شقير على فتح قنوات التواصل مع الدول العربية والمستثمرين، واستعادة الثقة بالاقتصاد اللبناني، والدفاع عن القطاع الخاص في أصعب مراحله.
كما يشدد في لقاءاته ومجالسه على أن لبنان لم يعد يحتمل مزيدًا من هدم الجسور، بل هو في أمسّ الحاجة إلى إعادة وصل ما انقطع وترميم ما تصدّع، انطلاقًا من قناعة بأن الاقتصاد يشكل أحد المداخل الأساسية لاستعادة الثقة، وترسيخ الاستقرار، وتعزيز موقع لبنان ودوره.
وربما لا يأتي هذا الدور بصخب، لكن مفاعيله تبدو واضحة في عودة الوفود الاقتصادية إلى بيروت، وفي عودة لبنان تدريجيًا إلى دائرة الاهتمام الاستثماري العربي والدولي.
وقد أثبت القطاع الخاص اللبناني، مرة جديدة، أنه قادر على الحضور والمبادرة وبناء الشراكات، رغم كل الظروف الصعبة.
لكن قدرته وحدها لا تكفي. فالاستثمار يحتاج إلى دولة تواكب، وقوانين واضحة، ومؤسسات فاعلة، وبيئة أعمال مستقرة وآمنة. وهنا تحديدًا تكمن مسؤولية الدولة اللبنانية.
فالإمارات لم تنتظر يومًا أن تصبح الظروف مثالية حتى تبني اقتصادًا قويًا.
لقد امتلكت رؤية، واستثمرت في الإنسان، وطوّرت بنيتها التحتية، وفتحت أبوابها أمام العالم، وحوّلت موقعها الجغرافي إلى قوة اقتصادية، وجعلت من الاستثمار جزءًا أساسيًا من مشروع الدولة.
ولبنان، في المقابل، يمتلك الكثير مما يؤهله للنهوض.
يتبع غداً
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.