بين رسائل الطمأنة وطبول الحرب لبنان يترقب المجهول

123

بقلم دافيد عيسى
يقف لبنان مرة جديدة على حافة عاصفة إقليمية كبرى، مراقبًا بقلق تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، فيما تتكثف الرسائل الدبلوماسية التي تحمل في طياتها مزيجًا من الطمأنة والتحذير.
وبين وعود بتحييده عن ساحة النار ومخاوف من انزلاقه القسري إلى قلب الصراع، يعيش اللبنانيون على إيقاع الانتظار الثقيل، حيث يصبح كل تطور ميداني في المنطقة حدثًا داخليًا بامتياز.
وفي ظل هشاشة أوضاعه السياسية والاقتصادية، يدرك الجميع أن أي خطأ في الحسابات قد يحول البلد من متفرج قلق إلى ساحة مواجهة مفتوحة، في لحظة إقليمية تبدو فيها طبول الحرب أعلى من أصوات العقل.
عاش لبنان يومين ثقيلين تحت وطأة الترقب والحذر، في ظل تسارع الأحداث وتضارب الإشارات الآتية من الخارج.
وقد شكّل تسريب خبر عن تلقي رئيس الجمهورية جوزاف عون رسالة من السفير الأميركي ميشال عيسى، تتضمن تطمينات بعدم استهداف لبنان في حال التزامه الحياد، متنفسًا نفسيًا في بلد يعيش أصلًا على حافة الانهيار.
غير أن هذا الاطمئنان بقي هشًا، لأن طبيعة الصراع الدائر لا تسمح بضمانات ثابتة، ولأن لبنان بحكم موقعه الجغرافي وتشابك قواه الداخلية يبقى عرضة لأي ارتدادات غير محسوبة.
فالرسالة الأميركية، على أهميتها السياسية، بدت أقرب إلى تحذير مبطن بضرورة ضبط الساحة اللبنانية ومنع انخراطها في الحرب، وهو ما دفع الدولة إلى تكثيف اتصالاتها مع قيادة حزب الله لوضعها أمام خطورة الانزلاق إلى مواجهة شاملة قد تكون نتائجها كارثية على بلد منهك اقتصاديًا ومؤسساتيًا.
وفي ظل غياب أي أفق واضح لمسار الحرب أو مدتها، دخل اللبنانيون مرحلة انتظار يومي مشوب بالقلق، حيث أصبح كل تطور ميداني في الخليج أو بلاد الشام ينعكس فورًا على الداخل اللبناني سياسيًا وأمنيًا وحتى نفسيًا.
وجاء نعي الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم للمرشد الأعلى للثورة الإسلامية السيد علي خامنئي والتأكيد على الاستمرار في نهج “المقاومة والجهاد” ليزيد منسوب التوتر، إذ أعاد طرح السؤال المركزي حول مدى استعداد الحزب للدخول في المعركة إذا طلبت طهران ذلك.
فقرار كهذا لا يعني مجرد عملية عسكرية محدودة، بل احتمال جر لبنان إلى حرب واسعة مع إسرائيل، وهي حرب يدرك الجميع أنها ستكون أكثر تدميرًا من سابقاتها في ظل التبدلات العسكرية والتكنولوجية التي شهدتها المنطقة.
في المقابل، تحركت الرئاسة اللبنانية منذ اللحظة الأولى للعملية العسكرية المشتركة ضد إيران على خط الاتصالات الدبلوماسية والأمنية، في محاولة لتحييد البلاد ومنع تحويلها إلى ساحة إسناد. ورفع الجيش اللبناني مستوى جهوزيته في الجنوب وعلى امتداد الأراضي اللبنانية، ليس فقط لمواجهة أي خرق أمني محتمل، بل أيضًا لمنع استخدام الأراضي اللبنانية منصة لإطلاق الصواريخ، وهو أمر قد يشعل مواجهة لا قدرة للدولة على احتوائها.
وترافق ذلك مع حالة استنفار شاملة طالت القطاعات الصحية والغذائية والخدماتية والمرافق العامة، في مشهد يعكس إدراكًا رسميًا بأن الحروب الحديثة لا تقتصر على الجبهات العسكرية بل تضرب بنية المجتمعات بأكملها.
وسط هذه الأجواء، برز التعاون بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب كعامل تهدئة داخلي، في محاولة لتوحيد الموقف الرسمي وتجنيب البلاد الانقسام الحاد الذي غالبًا ما يسبق الانفجار الأمني.
إلا أن نجاح هذا المسعى يبقى مرتبطًا بعوامل خارجية تفوق قدرة اللبنانيين على التحكم بها، لأن مصير لبنان بات معلّقًا إلى حد كبير بمسار الصراع الإقليمي الأوسع.
وهكذا يجد نفسه مرة جديدة في موقع المتأثر لا المؤثر، ينتظر ما ستؤول إليه المواجهة الكبرى، آملاً أن تمر العاصفة من حوله من دون أن تقتلع ما تبقى من استقراره الهش، لأن الخشية الكبرى تبقى أن يتحول الترقب الطويل إلى قدر دائم، وأن يصبح الحياد الذي يسعى إليه مجرد هدنة مؤقتة قبل اختبار أكثر قسوة.
دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.