بين قمتَي بكين وواشنطن وموسكو: حدود الدبلوماسية الثلاثية/1

27

المحامي  أسامة العرب

عُقدت قمة في بكين بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والصيني شي جين بينغ، سبقتها قمة صينية ـ أميركية مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في 14 و15 أيار. وقد فتح ذلك الباب للتساؤل حول التحولات الجارية في بنية النظام الدولي: هل نحن أمام إحياء لنمط من الدبلوماسية الثلاثية كما كان في السبعينيات بين واشنطن وبكين وموسكو؟ أم أن السياق الدولي اليوم يختلف تماماً، بحيث يجعل المقارنة مع عهد نيكسون وكيسنجر محدودة الفائدة؟

بدايةً، تتجاوز وتيرة هذه اللقاءات فكرة الصدفة أو الروتين الدبلوماسي. فالصين، كقوة صاعدة وقطب اقتصادي وتكنولوجي، باتت تلعب دوراً يمكّنها من التحرك بين القوى الكبرى ليس كطرف تابع، بل كقوّة قادرة على تشكيل التوازنات أو التأثير فيها. ولكن هذا الدور لا يعني بالضرورة أن بكين مستعدة للانخراط في دبلوماسية ثلاثية تخدم الرؤية الأمريكية، أو للضغط على موسكو بخصوص ملفات مهمة مثل أوكرانيا أو إيران.

وعلى مر التاريخ، كانت الدبلوماسية الثلاثية تحت قيادة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر إحدى الأدوات الأساسية في إدارة الحرب الباردة. إذ سعت الولايات المتحدة إلى الانفتاح على الصين، ليس حباً بها، بل لاستغلال الخلاف بين الصين والاتحاد السوفيتي لإضعاف الأخير ومحاصرته. وقد تمكّنت واشنطن من توظيف التناقضات الأيديولوجية والجيوسياسية بين القوتين الشيوعيتين الكبيرتين بفعالية. أما اليوم، فإن المعادلة مختلفة تماماً. فرغم عدم وجود حلف عسكري رسمي بين الصين وروسيا كما هو الحال مع حلف شمال الأطلسي، إلا أن العلاقات بينهما تشهد شراكة استراتيجية تسندها عوامل رئيسية: كلاهما يرفض الهيمنة الأميركية ويطمح إلى بناء نظام عالمي متعدد الأقطاب. ومن هنا، فإن الرهان الأمريكي على فصل الصين عن روسيا يبدو بعيد المنال.

صحيح أن ترامب معروف بتوظيف الرمزية السياسية في العلاقات الثلاثية. فقد أبلغ شي جين بينغ في نيسان 2017 أنه تم توجيه ضربات عسكرية ضد سوريا، الحليف القريب لروسيا. وقد فُسرت تلك الخطوة على أنها رسالة مزدوجة: لموسكو بأن ترامب ليس متأثراً برغبتها في التقارب، ولبيكين بأن واشنطن قادرة على استخدام القوة. لكن تلك الخطوة لم تؤدِّ إلى تصدع حقيقي في العلاقات الصينية ـ الروسية، بل أظهرت حدود المناورة الأمريكية.

كذلك، فترتبط إيران وأوكرانيا بمكانة مركزية في فهم أبعاد التفاهمات والخلافات بين الصين وروسيا. فكل من بكين وموسكو تنظران إلى السياسات الأميركية في الشرق الأوسط وأوروبا الشرقية على أنها تمثل تعبيراً عن الهيمنة والتدخل. ومع ذلك، لا يعني تطابق الخطاب تطابق المصالح.

في ملف إيران، لدى الصين وروسيا علاقات وثيقة مع طهران، لكنها تتباين في طبيعتها. فبالنسبة لروسيا، تعد إيران شريكاً استراتيجياً لمواجهة النفوذ الأمريكي ومصدراً عسكرياً وتقنياً، خاصة في ظل الحرب الأوكرانية. وقد أُشيرت تقارير غربية إلى تعاون روسي ـ إيراني في مجالات الطائرات المسيّرة. أما الصين فتعتبر إيران شريكاً مهماً في مجال الطاقة، ولكنها لا تعتبرها حليفاً عسكرياً. وعلاوة على ذلك، فإن بكين، كأكبر مستورد للطاقة في العالم، لا ترغب في تصاعد النزاع في الخليج أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز. فرغم امتلاكها لاحتياطيات نفطية، فإن زيادة أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد تُمثل تهديداً لمصالحها الاقتصادية.

وعلى الجانب الآخر، قد تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار النفط، لكونها أحد أبرز منتجي الطاقة. ومع ذلك، فإن موسكو تسعى لتحقيق توازن في علاقاتها بين إيران ودول الخليج، مثل السعودية والإمارات. لذا، يمكن القول إن إيران تمثل مساحة لتقاطعات واختلافات بين الصين وروسيا، حيث يجتمع الطرفان في رفض الضغط الأمريكي، ولكنهما يتباينان في تقييم كلفة التصعيد.

أما الحرب في أوكرانيا، فهي من أكثر الملفات حساسية في العلاقة الصينية ـ الروسية. فمنذ اندلاعها، حاولت الصين الظهور كقوة مسؤولة تدعو إلى السلام، وطرحت مبادرات تشير إلى احترام السيادة ورفض العقوبات الأحادية. لكن هذه اللغة، رغم توازنها الظاهري، اعتبرتها كييف وعواصم أوروبية عديدة أقرب إلى الخطاب الروسي. كما تتزايد الشكوك الغربية حيال بكين بسبب التقارير التي تشير إلى دورها في تزويد روسيا بالتكنولوجيا. فرغم أن بكين تنفي دعم روسيا عسكرياً، إلا أن استمرار تدفق المكونات التقنية يجعلها تبدو غير محايدة في نظر الغرب.

هذا الوضع أدى إلى تراجع فرص الصين في لعب دور الوسيط المقبول في الأزمة الأوكرانية. فالمبادرة تحتاج إلى الثقة من جميع الأطراف، وهي مفقودة في هذه الحالة، خصوصاً مع التقارب السياسي والاقتصادي بين بكين وموسكو.

لذا، فإن دعوة ترامب للصين سابقاً للضغط على روسيا لإنهاء الحرب في أوكرانيا بدت أكثر كاختبار للنوايا منها كمسار دبلوماسي عملي. فليس لبكين مصلحة في إضعاف موسكو، إذ ترى أن روسيا الضعيفة قد تعزز نفوذ واشنطن.

يتبع غداً

المحامي  أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.