حديث الجمعة_الهجرة نهج حياة

21

لم تكن الهجرة مجرد انتقالٍ مكاني من أرضٍ إلى أرض، بل من المفاهيم العظيمة في تاريخ الدعوة الإسلامية، بل مبدأً عقديًا وسلوكيًا يعكس الإيمان الصادق، والاستعداد للتضحية في سبيل الله، ساهمت في بناء الفرد المسلم والمجتمع الإسلامي. كما أن مفهوم الهجرة في الإسلام لم يقتصر على نوعٍ واحد، بل تنوعت أشكالها ومعانيها بحسب الزمان والمكان والغاية.
أول أنواع الهجرة في الإسلام هي الهجرة المكانية، والمقصود بها انتقال المسلم من مكانٍ يُضطهد فيه أو يُمنع من ممارسة شعائر دينه إلى مكانٍ آخر يستطيع فيه إظهار دينه وإقامة شرع الله. وقد بدأت هذه الهجرة في المرحلة المكية حين اشتد أذى قريش للمسلمين، فأذن النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، حيث كان يحكمها ملكها العادل النجاشي، الذي وصفه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: إن فيها ملكًا لا يُظلم عنده أحد. ثم هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، التي شكّلت تحولًا مفصليًا في تاريخ الإسلام، حيث انتقل المسلمون من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة بناء الدولة، وأصبح لهم كيان سياسي واجتماعي مستقل. وقد أشار القرآن الكريم إلى فضل هذه الهجرة في قوله تعالى: “ إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ” (سورة التوبة).
النوع الثاني من أنواع الهجرة: هي التي يكون دافعها الأساسي لها الحفاظ على الدين والعقيدة. وهذا النوع لا يرتبط بزمنٍ محدد، بل هو باقٍ ما بقي الصراع بين الإيمان والكفر. فإذا وُجد المسلم في بيئةٍ تفرض عليه ترك دينه أو الوقوع في المحرمات، وجب عليه أن يهاجر إن استطاع. حيث عاتب الله من قصروا في الهجرة مع قدرتهم عليها، فقال: “ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ..” (سورة النساء).
وقد اتفق العلماء على أن المسلم إذا كان قادرًا على إظهار دينه وأداء شعائره، فلا تجب عليه الهجرة، أما إذا عُجز عن ذلك، وجب عليه الانتقال إلى مكانٍ يستطيع فيه ممارسة دينه بحرية. وقد قال الله تعالى: “وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً” (سورة النساء)، وهي آية تبعث الطمأنينة في قلب المهاجر، وتؤكد أن التضحية في سبيل الله يعقبها الخير والبركة.
ومن أنواع الهجرة أيضًا الهجرة المعنوية، وهي من أوسع أنواع الهجرة، وتتمثل في ترك المعاصي والذنوب، والابتعاد عن كل ما يُغضب الله تعالى. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا النوع بقوله: “والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه”. وهذا النوع من الهجرة واجب على كل مسلم في كل زمان ومكان، لأنه يتعلق بسلوكه وأخلاقه، فهجرة القلب عن التعلق بالدنيا، وهجرة اللسان عن الكذب والغيبة، وهجرة الجوارح عن الحرام، كلها صور من الهجرة المعنوية.
ومن أنواعها: الهجرة في طلب العلم، فقد كان العلماء في صدر الإسلام يرحلون من بلدٍ إلى بلدٍ من أجل سماع حديثٍ واحد أو تعلم مسألةٍ واحدة. وهذه الهجرة تعكس قيمة العلم في الإسلام، حيث جعله الله سببًا لرفعة الدرجات، كما قال تعالى: “يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ” (سورة المجادلة). والهجرة لطلب العلم لا تزال قائمة إلى يومنا هذا.
كما يوجد نوع مهم يُعرف بـ الهجرة في سبيل الدعوة إلى الله، وهي انتقال الداعية إلى أماكن جديدة لنشر الإسلام وتعليم الناس الخير. وقد مارس النبي صلى الله عليه وسلم هذا النوع من الهجرة حين كان يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج، وحين أرسل الصحابة إلى مختلف الأمصار بعد استقرار الدولة الإسلامية. وهذه الهجرة تحتاج إلى علمٍ وحكمة وصبر، لأنها تتعامل مع اختلاف الثقافات والعادات، لكنها من أعظم الأعمال أجرًا لما فيها من نفعٍ كبير.
ولا يمكن إغفال الهجرة النفسية والروحية، وهي انتقال القلب من الضعف إلى القوة، ومن التردد إلى اليقين، ومن الخوف إلى التوكل على الله. فالهجرة الحقيقية تبدأ من الداخل، حيث يُهاجر المسلم بقلبه إلى الله، ويُجدد نيته، ويُخلص عمله. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى: “فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ” (سورة الذاريات)، وهي دعوة صريحة للعودة إلى الله وترك كل ما سواه.
ختاماً،
يتضح أن الهجرة في الإسلام مفهوم شامل ومتجدد، لا يقتصر على حدثٍ تاريخي معين، بل يمتد ليشمل حياة المسلم كلها. فهي انتقالٌ من حالٍ إلى حال، ومن ضعفٍ إلى قوة، ومن معصية إلى طاعة، ومن ضيقٍ إلى سعة. وقد جعل الإسلام الهجرة مقياسًا للإيمان الصادق، ودليلًا على الاستعداد للتضحية في سبيل الحق. ولذلك فإن على المسلم أن يستحضر معنى الهجرة في حياته اليومية، وأن يُجددها في قلبه وسلوكه، ليكون دائم السير إلى الله، ثابتًا على دينه، راجيًا رضوانه.
المهندس بسام برغوت

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.