حديث الجمعة_مفهوم السعادة في الإسلام

7

المهندس بسام برغوت

تُعدُّ السعادة مطلبًا فطريًا يسعى إليه جميع الناس، على اختلاف أجناسهم وأعمارهم وثقافاتهم، وفي الوقت الذي يربط فيه كثير من الناس السعادة بالمال أو الجاه أو المنصب أو الملذات الدنيوية، يقدّم الإسلام مفهومًا أعمق وأشمل للسعادة، يجعلها ثمرةً للإيمان بالله تعالى، وطمأنينةً للقلب، واستقامةً على منهجه، ورضًا بقضائه وقدره، وعملًا صالحًا يقود إلى سعادة الدنيا والآخرة.

وهذا ما أكده القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة قال تعالى: “مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ“ (سورة النحل). والحياة الطيبة هي حياة السعادة والرضا.

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى بقوله: «ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس» فكم من غني يعيش في قلق واضطراب، وكم من فقير ينام قرير العين مطمئن القلب لأنه امتلأ بالإيمان والقناعة.

ومن أجمل ما يبين حقيقة السعادة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «قد أفلح من أسلم، ورُزق كفافًا، وقنَّعه الله بما آتاه»

السعادة في الإسلام ليست مجرد شعور عابر بالفرح، ولا هي خلو الحياة من المصاعب، وإنما هي استقرار القلب على الإيمان، ورضاه بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا، مع حسن الصلة بالله، والإحسان إلى الخلق، والعمل لما بعد الموت.

ولذلك قد يكون المؤمن سعيدًا وهو في ضيق أو مرض أو فقر، لأنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن الله أرحم به من نفسه، وأن العاقبة للمتقين.

أسباب السعادة

لقد دلَّ القرآن الكريم والسنة النبوية على أسباب كثيرة للسعادة، من أهمها:

أولًا: كثرة ذكر الله تعالى. فالذكر يشرح الصدر، ويبدد الهموم، ويقوي الصلة بالله، قال تعالى: “أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ“ (سورة الرعد)، فالطمأنينة التي هي أساس السعادة.

ثانيًا: القناعة والرضا. فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو: «اللهم قنعني بما رزقتني، وبارك لي فيه»، لأن القناعة كنز لا يفنى، ومن رضي بما قسم الله عاش سعيدًا مهما كانت ظروفه.

ثالثًا: شكر النعم. يقول الله تعالى: “لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ“  (سورة إبراهيم). فالشكر يزيد النعم، ويجعل الإنسان ينظر إلى ما عنده بدل أن ينشغل بما فاته.

رابعًا: حسن الخلق والإحسان إلى الناس. فالابتسامة، والرحمة، وقضاء الحاجات، وإدخال السرور على الآخرين، كلها من أسباب سعادة العبد في الدنيا والآخرة.

موانع السعادة

وكما أن للسعادة أسبابًا، فإن لها موانع تحول بينها وبين القلب، ومن أبرزها:

ضعف الإيمان والغفلة عن الله تعالى، قال عبد الله بن المبارك رحمه الله: “مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها.” قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: “معرفة الله ومحبته”.

كثرة الذنوب والمعاصي، فإنها تورث ضيق الصدر ووحشة القلب، قال تعالى: “وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا“  (سورة طه) . وروي عن الإمام الحسن البصري رحمه الله أنه قال: “أبى الله إلا أن يذل من عصاه.” فالمعصية تحرم صاحبها لذة السعادة، وإن بدا للناس في رغد من العيش.

الطمع والجشع، وعدم الرضا بما قسم الله.

التعلق بالدنيا ونسيان الآخرة، فإن من جعل الدنيا أكبر همه عاش في قلق لا ينتهي.

مقارنة النفس بالآخرين في الأموال والمظاهر، مما يورث السخط ويذهب لذة النعم.

يقولُ رَسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “انْظُرُوا إلى مَنْ هو أَسْفَلَ منكم”، أي: مَنْ هو أَقَلُّ منكم في أُمور الدَّنْيا وتَقْسيمِها، “ولا تَنْظُروا إلى مَنْ هو فَوْقَكُم” فيها؛ فإنَّ هذا النَّظَرَ “أَجْدَرُ”، أي: أَحَقُّ “أنْ لا تَزْدَروا”، أي: لا تَحْتَقِروا “نِعْمَةَ اللهِ عليكم”؛ وذلك أنَّ نَظَرَ الإنْسانِ إلى مَنْ هو أعْلى منه؛ يُؤَدِّي إلى اسْتِحْقارِ ما عِندَ نَفْسِهِ من النِّعَمِ، فيَسْتَقِلَّ النِّعْمَةَ ويُعرِضَ عن الشُّكرِ؛ فيُحرم من السعادة.

السعادة بين الدنيا والآخرة

الإسلام لا يدعو إلى ترك الدنيا، بل يأمر بالسعي فيها مع جعلها وسيلة لا غاية. قال تعالى: “وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا“ (سورة القصص). فالمؤمن يجمع بين عمارة الدنيا والعمل للآخرة، فينال السعادة في الدارين.

والسعادة الكاملة لا تتحقق إلا بدخول الجنة، حيث يقول الله تعالى: “ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ” (سورة آل عمران). فذلك هو الفوز الأعظم، والسعادة التي لا يعقبها شقاء، ولا يعتريها نقص، ولا يخالطها خوف أو حزن.

ختاماً ، فإن السعادة في الإسلام ليست سرابًا يُطلب في زخارف الدنيا، وإنما هي نور يقذفه الله في قلب المؤمن إذا صدق مع ربه، وأحسن عمله، ورضي بقضائه، وأقبل عليه ذكرًا وعبادةً وطاعةً وإحسانًا إلى خلقه. فمن أراد السعادة الحقيقية، فليلزم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وليتزود بالتقوى والقناعة والصبر والشكر، وليحذر الذنوب والغفلة والحسد والطمع، فإن القلب إذا امتلأ بالإيمان استغنى عن كثير من متاع الدنيا، وأصبح يعيش في سكينة وطمأنينة، حتى يلقى الله تعالى راضيًا مرضيًا، فيفوز بالسعادة الأبدية في جنات النعيم.

أسأل الله تعالى أن يجعل هذا المقال نافعًا، وأن يرزقنا جميعًا السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة، وأن يملأ قلوبنا بالإيمان والرضا والطمأنينة.

المهندس بسام برغوت

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.