حديث رمضان_”رمضان بروح المقاصد”
عدنان صوان
مدير ثانوية المقاصد -المرج- البقاع الغربي
في شهر رمضان المبارك، تتجدّد في قلوبنا معاني الإيمان، وتسمو أرواحنا بقيم الرحمة والعطاء والتكافل. رمضان ليس مجرد أيامٍ نصومها، بل هو مدرسة روحية وأخلاقية متكاملة، نتعلّم فيها الصبر، ونراجع فيها ذواتنا، ونجدّد العهد مع الله تعالى على الاستقامة والعمل الصالح. ومن موقعنا التربوي، ننظر إلى هذا الشهر الفضيل باعتباره محطة أساسية في بناء شخصية أبنائنا، وتعزيز منظومة القيم التي نحرص على ترسيخها في مسيرتنا التعليمية.
إنّ رسالة المدرسة لا تقتصر على التعليم الأكاديمي، بل تمتدّ إلى بناء الإنسان الواعي في فكره، والمتوازن في سلوكه، والمعتزّ بقيمه وهويته. ورمضان بما يحمله من أبعاد روحية واجتماعية، يشكّل فرصة حقيقية لترجمة هذه الرسالة إلى ممارسات عملية وأنشطة هادفة تعزّز الانتماء والقيم والأخلاق.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، حرصت ثانوية المقاصد في البقاع الغربي على أن يكون رمضان هذا العام مسارًا تربويًا متكاملاً، لا مناسبة عابرة. فقد نظّمنا حفل كورال رمضاني مميز في كسكادا مول – قب إلياس، قدّم فيه طلاّبنا لوحات إنشادية تعبّر عن روح الشهر الكريم وقيمه السامية. وقد شكّل هذا الحفل محطة مضيئة في نشاطاتنا، حيث شهد حضورًا كثيفًا من الأهالي وأبناء المجتمع المحلي، وعكس صورة مشرّفة عن طلابنا ومدرستنا، كما جسّد معنى الشراكة الحقيقية بين المؤسسة التربوية ومحيطها الاجتماعي.
كما أطلقنا برنامجًا تربويًا بعنوان “حكايا رمضان”، يمتدّ على مدار ثلاثين يومًا، ويتضمّن ثلاثين قصة وقيمة يؤدّيها ثلاثون طالبًا من طلاّب المدرسة. يقدّم كل طالب قصة تحمل رسالة أخلاقية أو سلوكًا إيجابيًا مستمدًا من روح الشهر الفضيل، وفي نهاية كل قصة تُطرح حزورة لتحفيز التفكير والمشاركة، وتُمنح جوائز تشجيعية للفائزين. لقد لمسنا من خلال هذا البرنامج تفاعلًا كبيرًا من الطلاب، وإقبالًا على المشاركة، ما يؤكد أن التربية القائمة على التفاعل والتحفيز أعمق أثرًا وأكثر رسوخًا.
ولأنّ رمضان هو شهر القرآن، فقد نظّمنا مسابقة في حفظ جزء من القرآن الكريم، بمشاركة مدارس المرج، في خطوة تهدف إلى تعزيز التنافس في ميادين الخير والعلم. وقد خُصّصت جوائز تقديرية للفائزين دعمًا لجهودهم وتشجيعًا لهم على الاستمرار في مسيرة الحفظ والتدبر. إن ربط أبنائنا بكتاب الله تعالى هو ركيزة أساسية في بناء شخصيتهم الأخلاقية، وترسيخ القيم التي يحتاجها مجتمعنا اليوم.
أيّها الأحبة،
إنّ رمضان يعلّمنا الصبر، والصبر هو أساس كل نجاح تربوي وتعليمي. يعلّمنا الانضباط، وهو قيمة جوهرية في بناء الشخصية المسؤولة. ويغرس فينا روح العطاء، وهي القيمة التي يقوم عليها تماسك المجتمعات. يقول الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون”، فغاية الصيام هي التقوى، والتقوى هي الضابط الأخلاقي الذي يحكم تصرفات الإنسان في السر والعلن.
وفي ظل التحديات التي يمرّ بها وطننا لبنان، نؤمن أن مسؤوليتنا التربوية تزداد أهمية، وأنّ بناء جيل متعلم، واعٍ، متمسك بقيمه، هو الاستثمار الحقيقي لمستقبل أكثر استقرارًا وإشراقًا. من هنا، تأتي أنشطتنا الرمضانية ضمن رؤية شاملة تسعى إلى دمج القيم الدينية بالأداء التربوي، وتعزيز روح المبادرة والإبداع لدى طلابنا.
ولا يفوتني في هذه المناسبة المباركة أن أتوجّه بالشكر إلى إدارة القرى والهيئة التعليمية والإدارية التي بذلت جهدًا كبيرًا في تنظيم هذه البرامج، وإلى طلاّبنا الذين كانوا نموذجًا مشرفًا في الالتزام والمشاركة، كما أحيّي الأهالي الكرام على دعمهم وثقتهم الدائمة، والتي كانت عنصرًا أساسيًا في نجاح هذه الفعاليات.
نسأل الله تعالى أن يجعل هذا الشهر شهر خير وبركة على وطننا وأمتنا، وأن يعيده علينا بالأمن والاستقرار والازدهار، وأن يوفق أبناءنا في مسيرتهم العلمية، ويجعلهم قدوة في العلم والأخلاق.
عدنان صوان
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.