حديث رمضان_ هل استفدنا من العشرة الأوائل؟

16

د. جلال حلواني
رئيس اللجنة اللبنانية للبيئة والتنمية المستدامة
اليوم هو 13 رمضان والمثل الشعبي يقول : “إذا عشّر دشّر” ، كان الناس يلاحظون أن رمضان يمضي سريعًا، فيقولون هذا المثل للتعبير عن أن بداية الشهر تنذر بقرب رحيله ، أي أن مرور العشرة الأوائل من رمضان علامة على أن الشهر الفضيل بدأ يقترب من نهايته، وأن الأيام تمر بسرعة، وكأن العشرة الأولى “دشّرت” أو مضت.
ان مرور العشرة الأوائل من رمضان يُشعر المسلم أن الشهر بدأ يمضي بسرعة، وأن الثلث الأول قد انتهى، لكن في الحقيقة، هذه المرحلة ليست علامة على اقتراب النهاية بقدر ما هي تذكير بأن الثلثين الآخرين ما زالا أمامنا، وفيهما فرص عظيمة للعبادة والارتقاء الروحي.
لقد دأب المسلمون على تقسيم رمضان إلى ثلاثة أثلاث مع تخصيص لكل ثلث : العشر الأوائل (رحمة)، العشر الأواسط (مغفرة)، العشر الأواخر (عتق من النار)، وذلك سندا للحديث المروي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه: “خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من شعبان فقال: أيها الناس قد أظلكم شهر عظيم مبارك، شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة، وقيام ليله تطوعاً، من تقرّب فيه بخصلة من الخير كان كمن أدّى فريضة فيما سواه ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه، وهو شهر أوله رحمة وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار”.
ويستدل من هذا الحديث، ان انقضاء الثلث الأول يعني أن الرحمة قد فُتحت أبوابها، وأننا ندخل في مرحلة المغفرة، ثم نتهيأ لليالي العشر الأخيرة التي تتوَّج بليلة القدر. كما يمكن النظر إلى الأمر كرحلة روحية متصاعدة، حيث ان البداية تُليِّن القلب وتُهيئه، الوسط يغسل الذنوب، والنهاية تُتوَّج بالعتق والقبول. لذلك يتوجب علينا استثمار كل ثلث من رمضان بشكل متوازن بين العبادة، العمل، والراحة، بحيث لا يطغى جانب على آخر ويظل الشهر فرصة للارتقاء الروحي مع الحفاظ على الإنتاجية والصفاء الذهني.
فخلال العشر الأوائل (مرحلة الرحمة)، يلجأ الصائمون الى العبادة بحيث يتم التركيز على تهيئة القلب بالذكر وقراءة القرآن يوميًا بجرعات معتدلة (جزء أو نصف جزء)، ويتبعوا ذلك بالعمل من خلال الحفاظ على وتيرة طبيعية في المهام المهنية دون ضغط زائد، مع إدخال نية العبادة في العمل (الإتقان، الصدق)، مع ترك قسط من الراحة بتنظيم النوم مبكرًا قدر الإمكان، خاصة قبل السحور، لتجنب الإرهاق في بداية الشهر.
اما المرحلة الثانية أي العشر الأواسط (مرحلة المغفرة)، فينبغي التركيز على العبادة بزيادة جرعة القرآن والقيام، مع تخصيص وقت ثابت للصدقة أو أعمال الخير، وزيادة العمل باستغلال الطاقة المتوازنة لإنجاز المشاريع الأساسية، مع تقسيم المهام الكبيرة إلى أجزاء صغيرة، مع تخصيص قسط من الراحة بإدخال فترات قيلولة قصيرة مما يحافظ على التركيز والإنتاجية.
اما المرحلة الثالثة وهي العشر الأواخر (مرحلة العتق من النار)، فيجب التركيز على العبادة بتكثيف القيام والاعتكاف إن أمكن، والتركيز على ليلة القدر بالدعاء والقرآن، والعمل الجاد بتخفيف الضغط المهني قدر المستطاع، والاكتفاء بالمهام الضرورية، لإعطاء مساحة أكبر للعبادة، مع ترك مجال للراحة حتى لا ينهك الجسد.
بهذا التوازن، يتحول رمضان إلى رحلة متصاعدة: بداية هادئة للتهيئة، وسط مليء بالإنجاز والعبادة، ونهاية مركّزة على القرب من الله. فشهر رمضان المبارك شهر تتنزل فيه الملائكة وتحفّ المصلين القائمين العابدين، وتغشّاهم الرحمة والسكينة والطمأنينة، هو شهر كريم في كل يوم، فيه ثواب وأجر عظيم للمسلم، فعلينا أن نغتنم هذا الشهر العظيم بفضل الأعمال لكي ننال مغفرة الله ورحمته، وعتق من النار، وان رحمة الله تعالى ومغفرته لا تنقطع، وعتقه لعباد له من النار هو موجود على الدوام، من أول ليلة من ليالي رمضان الى آخره.
نسأل الله ان يتقبل منا الصيام والقيام وان يغفر لنا ذنوبنا وخطايانا ويعتق رقابنا من النار.
د. جلال حلواني

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.