شروق وغروب – بقلم خليل الخوري – لن يستقيم أي بلدٍ من دون قضاء حر ونزيه
بدايةً، نودّ أن نُعلن، وبالفم الملآن، أننا لا نسمح لأنفسنا أن نتدخّل في شؤون القضاء، أمدنياً كان أم عسكرياً، فهذا موقفٌ التزمنا به منذ أن قادنا طالعنا إلى مهنة البحث عن المتاعب. وليؤذن لنا أن نقول اليوم إنها صارت مهنة البحث عن الحلول، والراحة، والطمأنينة، لأن المرء لا يبحث إلا عمّا يفتقده. ففي الزمن الجميل، كان البحث عن المتاعب مفهوماً، أما اليوم، فكيف نبحث عنها والمتاعب تطوّقنا في الليل وفي النهار، تأكل معنا في الصحن، وتشاركنا وسادة النوم… نقول إن لا بلد من دون قضاء نزيه وحرّ، والسؤال: هل لبنان ينعم بهاتين الصفتَين، الحرية والنزاهة؟
لقد عرفت بلدانٌ عدّة، حتى في العالم الأول، الكثير من الفوضى والانتهاكات والتعدّيات، على سبيل المثال الجمهورية الإيطالية التي حوّلتها عصابات المافيا إلى جحيمٍ للجريمة والتجاوزات والقتل، وسائر الموبقات والارتكابات. وتفاقم الوضع منذ عقود السبعينات والثمانينات وأوائل التسعينات من القرن العشرين الماضي، وضرب الفساد القضاء فيها. فما كان من كوكبةٍ من القضاة إلا أن ندبوا أنفسهم إلى مهمّةٍ كانت محفوفةً بالمخاطر في تلك الحقبة من الزمن، وهي ملاحقة المافياويين، قياداتٍ وعناصر، في هذه المهمة الجلل التي كانوا يعرفون مسبقاً أنها ستكلّفهم الثمن الغالي والثمن الأغلى، بما في ذلك دفع أرواحهم من أجل إنقاذ بلدهم.
وجهد هؤلاء في تجمّع «الكفّ الأبيض» وحقّقوا إنجازاتٍ هائلة، وقادوا كبار المافيا إلى قوس العدالة وحاكموهم، وأصدروا في حقّهم أعلى ما يسمح به القانون من عقوبات، ولا سيما طاولوا الذين صنعوا المخدرات، وتاجروا بها، وحمّلوهم المسؤولية المباشرة عن كل من أزهقوا أرواحهم بالإدمان…
ماذا كانت النتيجة؟ ضبطوا الأوضاع بالقدر الممكن، ولكنهم قدّموا شهداء من صفوفهم، وأحدهم ارتقى إلى منزلة القداسة.
وفي السياق الموازي، وانطلاقاً من المبدأ الذي أشرنا إليه في مطلع هذا الكلام، ومن دون أي تدخّل في الشأن القضائي، وإن عسكرياً، ليؤذن لنا أن نستغرب الأحكام التي أُصدِرت أمس في حق قيدوم مصنّعي المخدرات والمتاجرين بها. ولا نشك في أن الثلاثة والثلاثين ملفاً التي أُسقطت العقوبة عنه فيها بسبب مرور الزمن هو قرار صحيح. ونتوقّف عند الأربعة أشهر التي أُدين بها في أربعة ملفات، شهراً لكل ملف، فهي تدعو إلى ما أسميناه الاستغراب. وإذا احتُسِبت مهلة التوقيف، فلن يكون مستغرباً (في بلد الغرائب والعجائب) أن يُفرَج عن صاحب العلاقة ضمن مهلة الترشّح إلى الانتخابات النيابية العامة، وأن يُنتخب نائباً بأصوات مؤيّديه ومُريديه ومحبّيه الذين يبدو أن عددهم لا بأس به، بدليل احتجاجاتهم يوم إلقاء القبض عليه.
من قال إن لبنان ليس بلداً لذيذاً؟!.
… وبانتظار باقي الملفات، والكثير منها جنائي.
khalilelkhoury@elshark.com
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.