لا تُدخلوا الدين في السياسة!!!

68

كتب عوني الكعكي:
كثر الحديث في هذه الأيام عن العلاقة بين الدين والسياسة، وتشعّبت الآراء.. إذ قد تكون العلاقة بينهما علاقة تصالحية توافقية… وقد تكون العلاقة تصادمية، كما هو الحال في الكثير من الأنظمة، كنظام «الملاّلي» في إيران، ونظام «طالبان» في أفغانستان، واتباع حزب الله اللبناني أوامر «ولاية الفقيه» في إيران.
أنا لا أشك أبداً بضرورة التمسّك بالدين… أي دين.. إذ أنّ للدين في مجتمعاتنا عاملاً مهماً في زرع القِيَم في نفوس الساسة، ومنعهم من المتاجرة بقضايا الشعوب، فلا يستخدمون السياسة النفعية المصلحية التي تقوم على سياسة ميكيافيللي في كتابه «الأمير»، وإنما تقوم على سياسة «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيّته. فالإمام راعٍ ومسؤول عن رعيّته..» لكنّ من المؤكد أنّ تحوّل الحكم الى منفّذ للدين، وإخضاع الشعوب لمعتقدات دينية أمر خطير لا يقبله منطق.
ما جعلني أتناول هذا الموضوع.. ما أراه اليوم من تصرفات أنظمة دينية، كتصرفات «نظام الملاّلي» في إيران، السائر في تعاليم «ولاية الفقيه»، وما أراه عند «الدواعش» والفصائل المتطرّفة، وما رأيناه في إيران عند ارتداء الأكفان قبل الدخول في أي معركة، إيماناً من المقاتل بأنّ استشهاده يدخله الجنّة، مروراً بشراء بيوت في الجنّة، بيوت مؤلفة من غرفة أو غرفتين أو أكثر، حسب المبلغ المدفوع ورغبات «الزبون».. هذا التطرّف الديني الذي يقود البعض الى إخضاع السياسة والسياسيين له… ليس متعلقاً بدين معيّـن، ولا بطائفة بعينها، وإنما هو داء خطير، مرّت به معظم الدول والأنظمة، حتى تحوّل الأمر الى خلْط في المفاهيم، فاختلط حابل الدين بنابل السياسة، حتى اضطرت شعوب عدّة الى دفع أثمان باهظة، كما نرى اليوم في إيران وأفغانستان ولبنان من خلال تمسّك حزب الله بتنفيذ تعليمات «ولاية الفقيه».
حتى أنّ الدين المسيحي الكريم، جرّب في تاريخه ما يُسمّى بـ«صكوك الغفران»… إذ كان أوّل صك غفران أصدرته الكنيسة في أوائل القرن الحادي عشر.. ثم انتشرت فكرة صكوك الغفران مع الحروب الصليبية، حيث قال رجال الدين بأنّ الجندي الذي يتوب ويعترف ويتقدّم للحرب المقدّسة لتحرير «أورشليم»، فإنّ الكنيسة تمنحه صك غفران يضمن له إعفاء من نيران «المطهر».
ففي سنة 1095م. أعلن البابا أوربانوس الثاني الغفران المطلق من «المطهر» لكل من يشارك في الحرب المقدّسة.
ثم تطوّر الأمر، بحسب المعتقدات الدينية الى الإعفاء الكامل أو الجزئي من العقاب الدنيوي على الخطايا ليتحوّل الى عقيدة الكفارة. فكان بإمكان الخاطئ غفران جزء من خطاياه مقابل شفاعة (توسّط) رجال الدين. وكانت مزاعم بيع كهنة ورهبان كاثوليك لوثائق تؤكد حصول الشخص على الغفران مقابل مبلغ مادي (صكوك الغفران) من أهم النقاط التي أثيرت ضد الكنيسة الكاثوليكية من قِبَل مارتن لوثر وغيره من المصلحين البروتستانت.
واستفحل الأمر عندما قدّم البابا ليو العاشر الغفران لأولئك الذين أعطوا المال لإعادة بناء كنيسة القديس بطرس، ممّا استفزّت مارتن لوثر لكتابة أطروحاته الخمسة والتسعين، حيث أدان ما اعتبره عملية شراء بيوت في الجنّة.
وذهب بعض المؤرخين الى رواية تقول بأنّ لوثر استعان بمعارضته بوثيقة تعلن أنه اشترى «جهنم» وأنّه لن يدخل إليها أحداً، ودعا الى عدم شراء صكوك الغفران.
لقد تزاحمت في وقتنا هذا المصطلحات، وبرزت مفاهيم جديدة عن الدولة والسلطة والشرعية… وكثر أتباع كل فريق، وأصبح الإنسان في تخبّط وحيرة، وخاصة تلك الدعوات التي يقول أصحابها بمنطلق ديني متطرّف، وهم يتلوّنون كالحرباء، ويدسّون السمّ في العسل.
إنّ التعصّب الديني غير مقبول، يواجهه القرآن الكريم بأسلوب يعكس رحابة الفكر، وسعة الأفق، وعمق الحكمة الإلهية، مؤكداً على أنّ الإيمان لا يُفرض بالقوة، وإنما يُبْنى على الاختيار {لا إكراه في الدين} [سورة البقرة: 256]، ليؤكد أنّ العقيدة لا تكون صادقة إلاّ حين تنبع من القلب والوعي، لا من القهر والإجبار.
ففي مواجهة الصدامات الفكرية والمذهبية، يضع القرآن الكريم منهجاً للحوار يرتكز على الحكمة والرّفق، لا على العنف والقسر، فيقول: {أدع إلى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن} [سورة النحل: 125].
إنّ معيار التفاضل في الميزان الإلهي لا يُقاس بالعناوين الدينية، ولا بالإنتماءات الطائفية، بل بما يحمله الإنسان من تقوى وعدل وإحسان: {إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم} [سورة الحجرات: 13].
باختصار… إنّ التموضع في إطار من التطرّف الديني، يشكّل وبالاً على الأمة.
فنحن في لبنان بحاجة الى الوحدة بين جميع أطياف الشعب اللبناني، وحدة تقوم على أنّ الدين للّه والوطن للجميع.. في مجتمع تسوده الحرّية والتسامح والإحترام المتبادل حيث تتعايش الأديان، وتلتقي القلوب، وينتصر العقل على كل ما عداه.

aounikaaki@elshark.com

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.