قانون التقاعد ومنظومة الحماية الاجتماعية المستدامة

22

المحامي  أسامة العرب

ليس من المبالغة القول إن قانون التقاعد والحماية الاجتماعية يشكّل أحد أكثر التحولات التشريعية أهمية في تاريخ الحماية الاجتماعية في لبنان. فالقانون رقم 319/2023، الذي عدّل بعض أحكام قانون الضمان الاجتماعي وأنشأ نظاماً للتقاعد والحماية الاجتماعية، لا يقتصر في جوهره على استبدال تعويض نهاية الخدمة بمعاش دوري، بل ينقل فلسفة الحماية الاجتماعية من منطق التسوية المالية عند انتهاء العمل إلى منطق تأمين دخل مستدام يحمي الإنسان في مرحلة ما بعد النشاط المهني.

غير أن قيمة هذا التحول لا تُقاس بالنص التشريعي وحده. فالقانون، رغم تقدمه النوعي، يقف أمام اختبار بالغ الصعوبة: كيف يمكن الانتقال من نظام تعويضات تقادمت آلياته وتآكلت قيمته بفعل الانهيار النقدي والتضخم، إلى نظام تقاعدي حديث، من دون أن يحمل النظام الجديد أعباء الماضي المالية والقانونية إلى المستقبل؟

من التعويض إلى المعاش: تغيير في فلسفة الضمان

الميزة الأساسية في النظام الجديد هي أن المضمون لا يعود أمام تعويض يُدفع مرة واحدة عند نهاية الخدمة، وإنما أمام معاش تقاعدي يستمر حتى الوفاة، إلى جانب معاش العجز والمعاش المخصص لخلفاء المضمون وفق شروط القانون.

ويُحتسب المعاش وفق حساب فردي افتراضي متراكم، أو ما يُعرف بالـ Notional Account. ويتكوّن هذا الحساب، وفق المادة 50-6 المعدّلة، من رصيد تعويض نهاية الخدمة الذي يُنقل إلى نظام التقاعد، والاشتراكات المسددة أو المتوجبة، إضافة إلى زيادة سنوية مرتبطة بتطور متوسط مداخيل المشتركين، بما يسمح بفهرسة الحساب حتى السنة السابقة للتقاعد.

وهنا تظهر إحدى أهم نقاط القوة في القانون. فالمشرّع لم يتعامل مع المعاش التقاعدي باعتباره رقماً ثابتاً، بل أدخل في آلية احتسابه مؤشرات اقتصادية وإحصائية واكتوارية يفترض أن تساعد على الحفاظ على قيمته الحقيقية. كما أجاز تعديل الزيادة السنوية إلى الأعلى في حال أظهر التقييم الاكتواري وجود فائض استثنائي في الاحتياط.

ويكتمل هذا التصور من خلال عامل التحويل الذي يحوّل الرصيد الافتراضي المتراكم إلى معاش سنوي. فهذا العامل لا يقوم على معادلة حسابية جامدة، بل يأخذ في الاعتبار سن التقاعد، والعجز والوفاة، والفهرسة المستقبلية للمعاش وفق التطور المتوقع لمؤشر أسعار الاستهلاك، ومتوسط العمر المتوقع، ووجود خلفاء للمضمون عند التقاعد.

هذه المقاربة، من الناحية النظرية، أكثر تطوراً بكثير من نظام التعويض التقليدي؛ لأنها تحاول أن تربط قيمة المعاش بالواقع الاقتصادي والديموغرافي، لا بمجرد مجموع مبالغ اقتُطعت خلال سنوات العمل.

ضمان الحد الأدنى: حماية اجتماعية لا مجرد معادلة حسابية

من أهم عناصر القوة أيضاً اعتماد ضمانتين للحد الأدنى للمعاش. الأولى ترتبط بالحد الأدنى للأجور، إذ لا يقل المعاش عن 55% من الحد الأدنى للأجور بعد 15 سنة من الاشتراك، مع زيادة هذه النسبة عن سنوات الاشتراك الإضافية وصولاً إلى سقف 80%.

أما الضمانة الثانية فتربط المعاش بمتوسط أجور المضمون المعاد تقييمها وفق الفهرسة، وبنسبة 1.33% عن كل سنة اشتراك.

وتكتسب هذه الضمانات أهمية خاصة في بلد شهد انهياراً نقدياً وتراجعاً حاداً في القدرة الشرائية. فالمعاش التقاعدي الذي لا يواكب كلفة المعيشة يفقد معناه الاجتماعي، مهما بدت طريقة احتسابه متقدمة من الناحية التقنية.

لكن هنا تبرز مفارقة تستحق التوقف: إذا كان القانون يربط جزءاً من حماية المتقاعد بالحد الأدنى للأجور، فإن فعالية هذه الحماية تفترض أن يكون تحديد الحد الأدنى للأجور نفسه قائماً على مؤشرات اقتصادية موضوعية، وأن يخضع للمراجعة بما يتناسب مع التضخم وكلفة المعيشة. وإلا تحوّل الضمان القانوني إلى رقم اسمي لا يعكس القدرة الشرائية الفعلية.

العقدة الكبرى: ماذا نفعل بتعويضات نهاية الخدمة؟

هنا تحديداً تكمن أخطر نقاط الضعف في الانتقال إلى النظام الجديد. فجزء أساسي من الحساب الفردي الافتراضي للمضمون المنتقل إلى التقاعد يتمثل في رصيد تعويض نهاية الخدمة الذي يُنقل إلى النظام الجديد بعد تصفيته وفق أحكام القانون.

لكن ماذا تعني تصفية هذا التعويض في بلد فقدت فيه العملة الوطنية جزءاً هائلاً من قيمتها؟ إذا جرى احتساب الرصيد التاريخي لتعويضات نهاية الخدمة وفق قواعد لا تأخذ بصورة كافية في الاعتبار التضخم وانهيار سعر الصرف وتراجع القوة الشرائية، فإن المضمون الذي انتقل من النظام القديم إلى النظام الجديد قد يبدأ حياته التقاعدية برصيد متآكل أصلاً. وبذلك يصبح النظام الجديد، paradoxically، حاملاً لآثار الظلم الذي خلّفه النظام السابق.

وهذا يخلق أيضاً مسألة مساواة جدية بين فئتين: الأولى تضم من انتقلوا من نظام تعويض نهاية الخدمة إلى نظام التقاعد، والثانية تضم من يدخلون مباشرة إلى نظام التقاعد ويستفيدون من فهرسة الاشتراكات ضمن الحساب الفردي الافتراضي. وإذا لم تُعالج القيمة الحقيقية للتعويضات السابقة، فقد ينشأ تفاوت غير مبرر في النتائج التقاعدية بين مضمونين قد تكون سنوات خدمتهما وأجورهما متقاربة.

من هنا، فإن تصحيح تعويضات نهاية الخدمة ليس تفصيلاً تقنياً، بل شرطاً تأسيسياً لعدالة النظام الجديد واستدامته.

من يخضع للنظام؟

اعتمد القانون انتقالاً تدريجياً بين النظامين. فالداخلون إلى سوق العمل للمرة الأولى بعد وضع النظام موضع التنفيذ يخضعون له إلزامياً، كما يشمل الانتقال الإلزامي فئات من المضمونين السابقين وفق السن وشروط الانتساب.

أما الفئات العمرية الواقعة في المنطقة الانتقالية، فيمنح بعضها حق الاختيار بين البقاء في نظام تعويض نهاية الخدمة أو الانتقال إلى نظام التقاعد، وفق الشروط والمدد المحددة في القانون.

وتكشف هذه الأحكام عن إدراك المشرّع لصعوبة الانتقال الفوري بين نظامين مختلفين في فلسفتهما وآلياتهما. إلا أن هذا الانتقال يحتاج إلى إدارة مؤسسية شديدة الدقة، لأن أي خلل في تفسير الحقوق المكتسبة أو تقييم الأرصدة أو تحديد آليات الانتقال قد يتحول إلى مصدر لنزاعات اجتماعية وقضائية واسعة.

قانون متقدم يحتاج إلى دولة قادرة على تنفيذه

المشكلة الأخرى لا تتصل بفلسفة القانون، بل بقدرته على الانتقال من النص إلى التطبيق. فالقانون يحتاج إلى عدد من المراسيم التطبيقية والهياكل التنظيمية، ولا سيما ما يتصل بالاستثمار والإدارة والتقييم الاكتواري وآليات التمويل.

وهنا يصبح عمل مجلس الإدارة الجديد للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ضروري، لكن ليس كافياً. فالنظام التقاعدي الحديث يحتاج إلى حوكمة مالية واستثمارية مستقلة وشفافة، وإلى إدارة مخاطر حقيقية، وإلى تقييمات اكتوارية دورية، وإلى آليات واضحة للمساءلة ومنع تضارب المصالح.

والأهم أن أموال التقاعد ليست أموالاً عادية؛ إنها مدخرات اجتماعية متراكمة لعقود. لذلك فإن إدارة استثماراتها يجب أن تقوم على قواعد صارمة للشفافية والتنويع وإدارة المخاطر، لا على الاعتبارات السياسية أو الحسابات القصيرة الأمد.

 النهضة تبدأ من حماية الماضي

يمثل قانون التقاعد والحماية الاجتماعية خطوة نوعية يمكن أن تعيد تعريف علاقة الدولة بالعامل بعد انتهاء حياته المهنية. فهو يكرّس، من حيث المبدأ، الانتقال من منطق التعويض إلى منطق الدخل المستدام، ويدخل عناصر الفهرسة والتقييم الاكتواري والعوامل الديموغرافية في تحديد المعاش، ويضع ضمانات للحد الأدنى، بما يجعله أقرب إلى النماذج الحديثة للحماية الاجتماعية.

لكن قوة القانون النظرية لا تكفي. فالنهضة الحقيقية التي يمكن أن يحققها تبدأ من معالجة إرث النظام القديم، وفي مقدمته القيمة الفعلية لتعويضات نهاية الخدمة. ولا يمكن بناء نظام تقاعد عادل على أرصدة فقدت جزءاً جوهرياً من قيمتها بفعل التضخم والانهيار النقدي.

لذلك، فإن نجاح قانون التقاعد لن يكون في صدور المراسيم التطبيقية فحسب، ولا في الإعلان عن بدء الانتقال إلى النظام الجديد، بل في ضمان معادلة ثلاثية متوازنة: عدالة الانتقال، استدامة التمويل، وحماية القدرة الشرائية للمتقاعد.

إذا نجحت الدولة في تحقيق هذه المعادلة، فلن يكون قانون التقاعد مجرد إصلاح إداري في مؤسسة الضمان، بل سيكون أحد اللبنات الأساسية لإعادة بناء العقد الاجتماعي في لبنان. أما إذا جرى الانتقال إلى النظام الجديد من دون معالجة عادلة للحقوق المتراكمة، فقد يتحول الإصلاح الذي يفترض أن يؤسس للمستقبل إلى امتداد لأزمة الماضي.

والفارق بين الاحتمالين لا تصنعه النصوص وحدها، بل تصنعه إرادة الإصلاح، وحسن الإدارة، والشفافية، والقرار السياسي الذي يضع حق الإنسان في شيخوخة كريمة فوق اعتبارات اللحظة.

المحامي  أسامة العرب

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.