ياسين جابر… رجل الدولة

474

بقلم دافيد عيسى
لا يمكن لأي متابع أن يستمع إلى وزير المالية ياسين جابر، خلال ردّه باسم الحكومة على تصديق الموازنة في مجلس النواب، إلا أن يرفع له القبعة احترامًا لخطابه الهادئ ومنطقه الواضح، في مواجهة موجة من الشعبوية على أبواب الانتخابات النيابية.
موجة حاول بعض النواب تمريرها تحت عناوين مطلبية محقّة في جوهرها، لكنها طُرحت من دون رؤية شاملة أو إحساس فعلي بالمسؤولية.
في تلك اللحظة، لم يكن جابر يدافع عن أرقام وبنود فحسب، بل عن مفهوم الدولة نفسه، وعن الحدّ الأدنى من العقلانية المطلوبة في إدارة بلد مأزوم.
ما قاله اختصر بدقة التحديات التي يواجهها في وزارة المالية، وهي في جوهرها تحديات لبنان كله.
فهو يعمل تحت ضغط السؤال المصيري الذي يفرض نفسه يوميًا: هل يستطيع لبنان التقاط الفرصة المتاحة له عربيًا ودوليًا، أم سيعود مجددًا إلى سياسات الإنكار والهروب إلى الأمام؟
ومن هذا المنطلق، جاءت مواقفه نابعة من قناعة داخلية وضمير حي، لا من حسابات شعبوية أو رضوخ لضغوط آنية مهما كان حجمها.
وبعد هرج ومرج شهدته الجلسة، عبّر جابر عن موقف يدل على حرصه على البلد، حين اعتبر أن زيادة الرواتب بشكل اعتباطي قد تكون “ساعة تخلّي” مضيفًا:
«عشنا تجربة سابقة عام 2017، وشفنا إلى أين ذهب البلد. لا يمكن أن نتعهد بشيء غير مدروس. الموضوع المالي ليس مزحة، ونحتاج إلى مهلة كي نعرف إلى أين نذهب».
وهنا، وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، لا يمكن فصل موقفه هذا عن إقراره الواضح بأحقية العسكريين الذين خدموا لبنان وقدّموا دماءهم فداءً للوطن، ولا عن اعترافه بعدالة مطالب موظفي القطاع العام الذين تآكلت رواتبهم وحقوقهم.
إلا أن ياسين جابر لم يكتفِ بتوصيف الحق، بل تحمّل مسؤولية كيفية ترجمته، محذرًا من أن الاستجابة غير المدروسة، مهما كانت نواياها حسنة، قد تؤدي إلى انهيار مالي جديد يدفع ثمنه هؤلاء أنفسهم قبل غيرهم.
وسط هذا المشهد، برز موقف رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي طلب وقف البث المباشر للجلسة، في خطوة ذكية هدفت إلى الحدّ من بعض الاستعراضات الشعبوية التي لا تخدم نقاشًا جديًا ولا تصبّ في المصلحة العامة.
فبعض النواب اعتادوا قول شيء في العلن عبر الشاشات، وممارسة نقيضه بعيدًا عن الشاشات.
نبيه بري بدهائه انتبه ان النقل المباشر للجلسات يساهم في دفعهم إلى مزيد من الشعبوية، حتى ولو كان ثمن ذلك إلحاق الأذى بالوطن، إذ تتقدّم مصالحهم الشخصية والانتخابية على مصلحة الدولة والناس.
أما ذروة هذا السلوك، فتتجلّى حين يمارس بعض النواب الممثلين في الحكومة دور المعارضة من داخلها، ملوّحين بعدم التصويت على موازنة أُقرت في مجلس الوزراء الذي يشاركون في عضويته.
فالمشاركة في السلطة التنفيذية تقتضي تحمّل مسؤولية قراراتها والدفاع عنها، لا التنصّل منها عند أول استحقاق نيابي.
وفي هذه الحالة، يصبح الانسحاب من الحكومة خيارًا أكثر اتساقًا سياسيًا وأخلاقيًا من البقاء فيها وممارسة ازدواجية الدور، لأن الجمع بين الحكم والمعارضة لا يخدم إلا الشعبوية، ويقوّض مبدأ المسؤولية الجماعية، ويحمّل الدولة كلفة تناقض لا قدرة لها على تحمّله.
ياسين جابر، بوصفه وزيرًا للمالية، لا يملك ترف إرضاء الجميع، بل واجب حماية الدولة من الانزلاق مجددًا إلى خيارات مكلفة دفع المواطن ثمنها سابقًا.
وقد عبّر عن ذلك بوضوح أمام النواب حين قال إن الحكومة لم تدّعِ أن الموازنة مثالية، لكنها موازنة مسؤولة تحمي المكاسب، وتحافظ على هامش مالي واحتياطي للطوارئ، وتواصل مسار الإصلاح والخروج من آثار تركة ثقيلة أوصلت البلاد إلى الانهيار.
واعتبر أن التصويت لها هو تصويت لمصلحة الدولة، فيما رفضها يعني عودة إرادية إلى سياسات فاشلة دفع المواطن ثمنها غاليًا.
وختم بالتأكيد أن المسار الذي بدأ لا خيار للتراجع عنه، داعيًا الجميع إلى تحمّل المسؤولية الوطنية والتاريخية دفاعًا عن الدولة ومقوماتها.
في هذا الموقف، استطاع جابر أن يكون منصفًا في الاعتراف بالحقوق، شجاعًا في قول الحقيقة، ثابتًا تحت الضغط، وحاسمًا حين يكون الحسم واجبًا، في زمن باتت فيه هذه الصفات نادرة.
دافيد عيسى

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.