الإمارات تجدد ثقتها بلبنان… فهل يجدد لبنان ثقته بنفسه؟ / 2
بقلم دافيد عيسى
سياسي لبناني
فهو يمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وقطاعًا خاصًا أثبت قدرته على الصمود، وطاقات بشرية مميزة، واغترابًا منتشرًا في مختلف أنحاء العالم، وخبرات لبنانية تشغل مواقع مهمة في أكبر المؤسسات والشركات الدولية.
المشكلة لم تكن يومًا في الإنسان اللبناني، بل في البيئة التي يعيش ويعمل فيها.
فاللبناني الذي ينجح في الإمارات والسعودية والدوحة ولندن وباريس ونيويورك وأفريقيا، يستطيع أن ينجح في لبنان أيضًا، إذا أُعطي دولة مستقرة، وقانونًا واضحًا، وإدارة فعّالة، وقضاءً يضمن الحقوق، وبنية تحتية تساعده بدل أن تعرقله.
لهذا، لا ينبغي أن نتعامل مع الزيارة الإماراتية كأنها مجرد خبر اقتصادي، بل كفرصة لإعادة تعريف لبنان.
لبنان ليس بلدًا يعيش على المساعدات، بل بلد قادر على استقطاب الاستثمارات.
وليس سوقًا صغيرة فحسب، بل يمكنه، بحكم موقعه وطاقاته، أن يكون منصة اقتصادية وخدمية بين الشرق والغرب.
وليس مجرد بلد سياحي، بل يمتلك مقومات تؤهله ليكون مركزًا للخدمات والتعليم والصحة والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي واللوجستيات.
لكن تحويل هذه الإمكانات إلى واقع يحتاج إلى قرار سياسي واقتصادي واضح؛ قرار بأن يصبح الاقتصاد مشروعًا وطنيًا، لا مادة للمزايدات السياسية، وأن يصبح الإصلاح وسيلة لاستعادة الثقة، لا شعارًا يُرفع عند الحاجة.
وهذا يبدأ بدولة تعرف أولوياتها، وإدارة تسهّل الأعمال بدل تعطيلها، وقوانين تحمي المستثمر، وقضاء يضمن الحقوق، وبنية تحتية حديثة، وسياسة اقتصادية واضحة ومستقرة.
عندها فقط تصبح الاتفاقيات والتفاهمات التي خرجت بها الزيارة الإماراتية بداية لمسار، لا مجرد عناوين في الأخبار.
الإمارات لم تأتِ إلى لبنان لتقول إن الأزمة انتهت، بل جاءت لتقول إن الفرصة لم تنتهِ. وهذا فرق كبير.
فالدول التي تنظر إلى لبنان اليوم بعين الاستثمار والشراكة، لا بعين المساعدة فقط، تمنحه فرصة لكي يستعيد موقعه الطبيعي في محيطه العربي، ويعيد وصل اقتصاده بالأسواق والاستثمارات العربية والدولية.
وعلى لبنان أن يكون على مستوى هذه الفرصة.
لقد تعب اللبنانيون من انتظار الخلاص من الخارج.
لكن الخارج يستطيع أن يفتح الأبواب؛ أما الدخول منها، وتحويل الفرص إلى مشاريع واستثمارات ونمو، فهو مسؤوليتنا نحن.
ومن هنا، فإن المطلوب اليوم ليس الاحتفال بالزيارة، بل البناء عليها؛ وليس الاكتفاء بالتفاهمات، بل تسريع الخطوات التي تجعلها واقعًا اقتصاديًا ملموسًا.
وفي الختام، لا بد من القول إن نجاح هذا المسار يبقى مرتبطًا بشكل أساسي بالاستقرار.
فالمستثمر قد يرى الفرصة، وقد يملك الرغبة والقدرة على الاستثمار، لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى بيئة آمنة ومستقرة تضمن له وضوح الرؤية وإمكانية التخطيط للمستقبل.
كما يجب تحديث الأطر التشريعية والقانونية في لبنان لتوفير بيئة جاذبة ومحفزة للاستثمارات ورجال الأعمال.
لبنان بحاجة إلى سلام دائم ومستدام، لأن الاستقرار ليس مجرد شرط سياسي أو أمني، بل هو العامل الأساسي الذي يجذب الاستثمار، ويحفّز النمو، ويخلق فرص العمل، ويفتح الطريق أمام الازدهار.
ومن هنا، فإن مسؤولية الحفاظ على هذه الثقة لا تقع على المستثمر وحده، بل على الدولة اللبنانية التي عليها أن تثبت أن لبنان قادر على حماية الفرص التي تلوح أمامه، وتحويل الانفتاح العربي والدولي المتجدد إلى مسار اقتصادي مستدام.
اليوم، الإمارات فتحت بابًا.
فهل يملك لبنان الشجاعة والإرادة للدخول؟
الجواب لن يكون في البيانات، بل في المشاريع.
وسيكون في الاستثمار.
وسيكون في قدرة لبنان على أن يثبت أن الثقة التي عادت إليه لم تكن في غير محلها.
**الإمارات ترى في لبنان فرصة.
والآن، حان الوقت لأن يرى لبنان نفسه فرصة أيضًا.**
دافيد عيسى
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.